تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
ويقول الكميت :
وجدنا لكم في آل حاميم آية * تأولها منا تقي ومعرب
وحدثت عن معمر بن المثنى أنه قال : قال يونس ، يعني الجرمي : ومن قال هذا القول بل هو اسم فهو منكر عليه ، لأن السورة
حم
ساكنة الحروف ، فخرجت مخرج التهجي ، وهذه أسماء سور خرجت متحركات ، وإذا سميت سورة بشيء من هذه الأحرف المجزومة دخله الإعراب . والقول في ذلك عندي نظير القول في أخواتها ، وقد بينا ذلك ، في قوله :
ألم
ففي ذلك كفاية عن إعادته في هذا الموضع ، إذ كان القول في حم ، وجميع ما جاء في القرآن على هذا الوجه ، أعني حروف التهجي قولا واحدا . وقوله :
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
يقول الله تعالى ذكره : من الله العزيز في انتقامه من أعدائه ، العليم بما يعملون من الأعمال وغيرها تنزيل هذا الكتاب ؛ فالتنزيل مرفوع بقوله :
مِنَ اللَّهِ
. وفي قوله :
غافِرِ الذَّنْبِ
وجهان ؛ أحدهما : أن يكون بمعنى يغفر ذنوب العباد ، وإذا أريد هذا المعنى ، كان خفض غافر وقابل من وجهين ، أحدهما من نية تكرير " من " ، فيكون معنى الكلام حينئذ : تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ، من غافر الذنب ، وقابل التوب ، لأن غافر الذنب نكرة ، وليس بالأفصح أن يكون نعتا للمعرفة ، وهو نكرة ، والآخر أن يكون أجرى في إعرابه ، وهو نكرة على إعراب الأول كالنعت له ، لوقوعه بينه وبين قوله :
ذِي الطَّوْلِ
وهو معرفة . وقد يجوز أن يكون أتبع إعرابه وهو نكرة إعراب الأول ، إذ كان مدحا ، وكان المدح يتبع إعرابه ما قبله أحيانا ، ويعدل به عن إعراب الأول أحيانا بالنصب والرفع كما قال الشاعر :
لا يبعدن قومي الذين هم * سم العداة وآفة الجزر
النازلين بكل معترك * والطيبين معاقد الأزر
وكما قال جل ثناؤه
وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ
فرفع فعال وهو نكرة محضة ، وأتبع إعراب الغفور الودود ؛ والآخر : أن يكون معناه : أن ذلك من صفته تعالى ، إذ كان لم يزل لذنوب العباد غفورا من قبل نزول هذه الآية وفي حال نزولها ، ومن بعد ذلك ، فيكون عند ذلك معرفة صحيحة ونعتا على الصحة . وقال :
غافِرِ الذَّنْبِ
ولم يقل الذنوب ، لأنه أريد به الفعل ، وأما قوله :
وَقابِلِ التَّوْبِ
فإن التوب قد يكون جمع توبة ، كما يجمع الدومة دوما والعومة عوما من عومة السفينة ، كما قال الشاعر : عم السفين فلما حال دونهم وقد يكون مصدر تاب يتوب توبا . وقد : حدثني محمد بن عبيد المحاربي ، قال : ثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق ، قال : جاء رجل إلى عمر ، فقال : إني قتلت ، فهل لي من توبة ؟ قال : نعم ، اعمل ولا تيأس ، ثم قرأ :
حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ
. وقوله :
شَدِيدِ الْعِقابِ
يقول تعالى ذكره : شديد عقابه لمن عاقبه من أهل العصيان له ، فلا تتكلوا على سعة رحمته ، ولكن كونوا منه على حذر ، باجتناب معاصيه ، وأداء فرائضه ، فإنه كما أن لا يؤيس أهل الإجرام والآثام من عفوه ، وقبول توبة من تاب منهم من جرمه ، كذلك لا يؤمنهم من عقابه وانتقامه منهم بما استحلوا من محارمه ، وركبوا من معاصيه . وقوله :
ذِي الطَّوْلِ
يقول : ذي الفضل والنعم المبسوطة على من شاء من خلقه ؛ يقال منه : إن فلانا لذو طول على أصحابه ، إذا كان ذا فضل عليهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
ذِي الطَّوْلِ
يقول : ذي
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 27 | محمد بن جرير الطبري