تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ
قال : فلم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل يسخر بأهل طاعة الله ، قال : هذا قول صنف منهم . حدثنا محمد ، قال ثنا أحمد ، قال ثنا أسباط ، عن السدي
وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ
يقول : من المستهزئين بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالكتاب ، وبما جاء به . القول في تأويل قوله تعالى :
أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ . . .
أَوْ تَقُولَ حِينَ . . .
الْمُحْسِنِينَ
يقول تعالى ذكره : وأنيبوا إلى ربكم أيها الناس ، وأسلموا له ، أن لا تقول نفس يوم القيامة : يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله ، في أمر الله ، وأن لا يقول نفس أخرى : لو أن الله هداني للحق ، فوفقني للرشاد لكنت ممن اتقاه بطاعته واتباع رضاه ، أو أن لا تقول أخرى حين ترى عذاب الله فتعاينه
لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً
تقول لو أن لي رجعة إلى الدنيا
فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
الذين أحسنوا في طاعة ربهم ، والعمل بما أمرتهم به الرسل . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ
الآية ، قال : هذا قول صنف منهم
أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي
الآية ، قال . هذا قول صنف آخر :
أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ
الآية ، يعني بقوله
لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً
رجعة إلى الدنيا ، قال : هذا صنف آخر . حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ
قال : أخبر الله ما العباد قائلوه قبل أن يقولوه ، وعملهم قبل أن يعملوه ، قال :
وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ
أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي
إلى قوله :
فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
يقول : من المهتدين ، فأخبر الله سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى ، وقال
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
وقال :
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ
كما لم يؤمنوا به أول مرة ، قال : ولو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى ، كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا . وفي نصب قوله
فَأَكُونَ
وجهان ؛ أحدهما : أن يكون نصبه على أنه جواب لو والثاني : على الرد على موضع الكرة ، وتوجيه الكرة في المعنى إلى : لو أن لي أن أكر ، كما قال الشاعر :
فما لك منها غير ذكرى وحسرة * وتسأل عن ركبانها أين يمموا ؟
فنصب تسأل عطفا بها على موضع الذكرى ، لأن معنى الكلام : فما لك . . . بيرسل على موضع الوحي في قوله :
إِلَّا وَحْياً
القول في تأويل قوله تعالى :
بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ
يقول تعالى ذكره مكذبا للقائل :
لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
، وللقائل :
لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
: ما القول كما تقولون
بَلى قَدْ جاءَتْكَ
أيها المتمني على الله الرد إلى الدنيا لتكون فيها من المحسنين
آياتِي
يقول : قد جاءتك حججي من بين رسول أرسلته إليك ، وكتاب أنزلته يتلى عليك ما فيه من الوعد والوعيد والتذكير
فَكَذَّبْتَ
بآياتي
وَاسْتَكْبَرْتَ
عن قبولها واتباعها
وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ
يقول : وكنت ممن يعمل عمل الكافرين ، ويستن بسنتهم ، ويتبع منهاجهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ،
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 14 | محمد بن جرير الطبري