تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
فالسؤال قبل الإعطاء في تقدمه وتأخره . وقوله :
فَفَزِعَ مِنْهُمْ
يقول القائل : وما كان وجه فزعه منهما وهما خصمان ، فإن فزعه منهما كان لدخولهما عليه من غير الباب الذي كان المدخل عليه ، فراعه دخولهما كذلك عليه . وقيل : إن فزعه كان منهما ، لأنهما دخلا عليه ليلا في غير وقت نظره بين الناس ؛ قالوا :
لا تَخَفْ
يقول تعالى ذكره : قال له الخصم : لا تخف يا داود ، وذلك لما رأياه قد ارتاع من دخولهما عليه من غير الباب . وفي الكلام محذوف استغني بدلالة ما ظهر من الكلام منه ، وهو مرافع خصمان ، وذلك نحن . وإنما جاز ترك إظهار ذلك مع حاجة الخصمين إلى المرافع ، لأن قوله
خَصْمانِ
فعل للمتكلم ، والعرب تضمر للمتكلم والمكلم والمخاطب ما يرفع أفعالهما ، ولا يكادون أن يفعلوا ذلك بغيرهما ، فيقولون للرجل يخاطبونه : أمنطلق يا فلان ويقول المتكلم لصاحبه : أحسن إليك وتجمل ، وإنما يفعلون ذلك كذلك في المتكلم والمكلم ، لأنهما حاضران يعرف السامع مراد المتكلم إذا حذف الاسم ، وأكثر ما يجيء ذلك في الاستفهام ، وإن كان جائزا في غير الاستفهام ، فيقال : أجالس راكب ؟ فمن ذلك قوله خصمان ؛ ومنه قول الشاعر :
وقولا إذا جاوزتما أرض عامر * وجاوزتما الحيين نهدا وخثعما
نزيعان من جرم بن زبان إنهم * أبوا أن يميزوا في الهزاهز أعجما
وقول الآخر :
تقول ابنة الكعبي يوم لقيتها * أمنطلق في الجيش أم متثاقل
ومنه قولهم : " محسنة فهيلي " . وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " آئبون تائبون " . وقوله : " جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله " كل ذلك بضمير رفعه . وقوله عز وجل
بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ
يقول : تعدى أحدنا على صاحبه بغير حق
فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ
يقول : فاقض بيننا بالعدل
وَلا تُشْطِطْ
يقول : ولا تجر ، ولا تسرف في حكمك ، بالميل منك مع أحدنا على صاحبه . وفيه لغتان : أشط ، وشط . ومن الإشطاط قول الأحوص :
ألا يا لقوم قد أشطت عواذلي * ويزعمن أن أودى بحقي باطلي
ومسموع من بعضهم : شططت علي في السوم . فأما في البعد فإن أكثر كلامهم : شطت الدار ، فهي تشط ، كما قال الشاعر :
تشط غدا دار جيراننا * وللدار بعد غد أبعد
وقوله :
وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ
يقول : وأرشدنا إلى قصد الطريق المستقيم . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله :
وَلا تُشْطِطْ
قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَلا تُشْطِطْ
أي لا تمل . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
وَلا تُشْطِطْ
يقول : لا تحف . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَلا تُشْطِطْ
تخالف عن الحق . وكالذي قلنا أيضا في قوله :
وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ
قالوا . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ
إلى عدله وخيره . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد