تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
الضحاك يقول في قوله :
وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ
قال : إن تكلم كان أبين مني ، وإن بطش كان أشد منى ، وإن دعا كان أكثر مني . القول في تأويل قوله تعالى :
قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ . . .
وَقَلِيلٌ
يقول تعالى ذكره : قال داود للخصم المتظلم من صاحبه : لقد ظلمك صاحبك بسؤاله نعجتك إلى نعاجه ؛ وهذا مما حذفت منه الهاء فأضيف بسقوط الهاء منه إلى المفعول به ، ومثله قوله عز وجل :
لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ
والمعنى : من دعائه بالخير ، فلما ألقيت الهاء من الدعاء أضيف إلى الخير ، وألقي من الخير الباء ؛ وإنما كنى بالنعجة هاهنا عن المرأة ، والعرب تفعل ذلك ؛ ومنه قول الأعشى :
قد كنت زائدها وشاة محاذر * حذرا يقل بعينه إغفالها
يعني بالشاة : امرأة رجل يحذر الناس عليها ؛ وإنما يعني : لقد ظلمت بسؤال امرأتك الواحدة إلى التسع والتسعين من نسائه . وقوله :
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ
يقول : وإن كثيرا من الشركاء ليتعدى بعضهم على بعض
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا
بالله
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
يقول : وعملوا بطاعة الله ، وانتهوا إلى أمره ونهيه ، ولم يتجاوزوه
وَقَلِيلٌ ما هُمْ
وفي " ما " التي في قوله :
وَقَلِيلٌ ما هُمْ
وجهان : أحدهما أن تكون صلة بمعنى : وقليل هم ، فيكون إثباتها وإخراجها من الكلام لا يفسد معنى الكلام : والآخر أن تكون اسما ، و " هم " صلة لها ، بمعنى : وقليل ما تجدهم ، كما يقال : قد كنت أحسبك أعقل مما أنت ، فتكون أنت صلة لما ، والمعنى : كنت أحسب عقلك أكثر مما هو ، فتكون " ما " والاسم مصدرا ، ولو لم ترد المصدر لكان الكلام بمن ، لأن من التي تكون للناس وأشباههم ، ومحكي عن العرب : قد كنت أراك أعقل منك مثل ذلك ، وقد كنت أرى أنه غير ما هو ، بمعنى : كنت أراه على غير ما رأيت . وروي عن ابن عباس في ذلك ما : حدثني به علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله :
وَقَلِيلٌ ما هُمْ
يقول : وقليل الذين هم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ
قال : قليل من لا يبغي . فعلى هذا التأويل الذي تأوله ابن عباس معنى الكلام : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وقليل الذين هم كذلك ، بمعنى : الذين لا يبغي بعضهم على بعض ، و " ما " على هذا القول بمعنى : من . وقوله :
وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ
يقول : وعلم داود أنما ابتليناه ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَظَنَّ داوُدُ
علم داود . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن
وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ
قال : ظن أنما ابتلي بذاك . حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس
وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ
قال : ظن أنما ابتلي بذاك . حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس
وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ
اختبرناه . والعرب توجه الظن إذا أدخلته على الإخبار كثيرا إلى العلم الذي هو من غير وجه العيان . وقوله :
فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ
يقول : فسأل داود ربه غفران ذنبه
وَخَرَّ راكِعاً
يقول : وخر ساجدا لله
وَأَنابَ
يقول : ورجع إلى رضا ربه ، وتاب من خطيئته . واختلف في سبب البلاء الذي ابتلي به نبي الله داود صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم : كان سبب ذلك أنه تذكر ما أعطى الله إبراهيم وإسحاق ويعقوب من حسن الثناء الباقي لهم في الناس ، فتمنى مثله ، فقيل له : إنهم امتحنوا فصبروا ، فسأل أن يبتلى كالذي ابتلوا ، ويعطى كالذي أعطوا