الذين أنذرتهم أنبياؤنا ، وإلى ما صار أمرهم ، وما الذي أعقبهم كفرهم بالله ، ألم نهلكهم فنصيرهم للعباد عبرة ولمن بعدهم عظة ؟ وقوله :
إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
يقول تعالى : فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ، إلا عباد الله الذين أخلصناهم للإيمان بالله وبرسله ؛ واستثنى عباد الله من المنذرين ، لأن معنى الكلام : فانظر كيف أهلكنا المنذرين إلا عباد الله المؤمنين ، فلذلك حسن استثناؤهم منهم . وبنحو الذي قلنا في قوله :
إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله :
إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
قال :
الذين استخلصهم الله . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ وَنَجَّيْناهُ
يقول تعالى ذكره : لقد نادانا نوح بمسألته إيانا هلاك قومه ، فقال :
رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً
إلى قوله :
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
وقوله :
فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ
يقول : فلنعم المجيبون كنا له إذ دعانا ، فأجبنا له دعاءه ، فأهلكنا قومه .
وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ
يعني : أهل نوح الذين ركبوا معه السفينة . وقد ذكرناهم فيما مضى قبل ، وبينا اختلاف العلماء في عددهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ
قال : أجابه الله . وقوله :
مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ
يقول : من الأذى والمكروه الذي كان فيه من الكافرين ، ومن كرب الطوفان والغرق الذي هلك به قوم نوح ، كما : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط عن السدي ،
وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ
قال :
من الغرق وقوله :
وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ
يقول : وجعلنا ذرية نوح هم الذين بقوا في الأرض بعد مهلك قومه ، وذلك أن الناس كلهم من بعد مهلك نوح إلى اليوم إنما هم ذرية نوح ، فالعجم والعرب أولاد سام بن نوح ، والترك والصقالبة والخزر أولاد يافث بن نوح ، والسودان أولاد حام بن نوح ، وبذلك جاءت الآثار ، وقالت العلماء . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا ابن عثمة ، قال : ثنا سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة ، عن النبي صلى الله علبه وسلم ، في قوله :
وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ
قال : " سام وحام ويافث " . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله :
وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ
قال : فالناس كلهم من ذرية نوح . حدثنا علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله :
وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ
يقول : لم يبق إلا ذرية نوح القول في تأويل قوله تعالى :
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ . . .
الْعالَمِينَ
يعني تعالى ذكره بقوله :
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ
وأبقينا عليه ، يعني على نوح ذكرا جميلا ، وثناء حسنا في الآخرين ، يعني : فيمن تأخر بعده من الناس يذكرونه به . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ
يقول : يذكر بخير . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ
يقول : جعلنا لسان صدق للأنبياء كلهم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ
قال : أبقى الله عليه الثناء الحسن في الآخرين .