أيوب وغيره ورد بصيغة واحدة تعم الاستقبال والاستدبار ، فكيف وهو قد ورد
بصيغتين : صيغة دلت على منع الاستقبال ، وصيغة دلت على منع الاستدبار ، فغاية ما في
حديث ابن عمر تخصيص الصيغة الثانية لأنه وارد في البنيان وهي عامة لكل استدبار ،
ويمكن أيضا تأييد المذهب الثاني من هذه الأربعة بأن الاستقبال في البنيان يقاس على
الاستدبار ، ولكنه يخدش فيه ما قاله ابن دقيق العيد : أن هذا تقديم للقياس على مقتضى
اللفظ العام ، وفيه ما فيه على ما عرف في أصول الفقه ، وبأن شرط القياس مساواة الفرع
للأصل أو زيادة عليه في المعنى المعتبر في الحكم ولا تساوي ههنا ، فإن الاستقبال يزيد
في القبح على الاستدبار على ما يشهد به العرف ، ولهذا اعتبر بعض العلماء هذا المعنى ،
فمنع الاستقبال وأجاز الاستدبار ، وإذا كان الاستقبال أزيد في القبح من الاستدبار فلا
يلزم من إلغاء المفسدة الناقصة في القبح في حكم الجواز إلغاء المفسدة الزائدة في القبح
في حكم الجواز انتهى . وفيه أن دعوى الزيادة في القبح ممنوعة ومجرد اقتصار بعض
أهل العلم على منع الاستقبال ليس لكونه أشد بل لأنه لم يقم دليل على جوازه كما
قام على جواز الاستدبار ، والتخصيص بالقياس مذهب مشهور راجح ، وهذا على تسليم
أنه لا دليل على الجواز إلا مجرد القياس وليس كذلك ، فإن حديث جابر الآتي بلفظ
أنه رآه قبل أن يقبض بعام مستقبل القبلة نص في محل النزاع ، لولا ما أسلفناه في الباب
الأول من أن فعله صلى الله عليه وآله وسلم لا يعارض قوله الخاص بنا كما تقرر في
الأصول . ويمكن تأييد المذهب الثالث من الأربعة بأن الاستدبار في الفضاء ملحق
بالاستدبار في البنيان ، لأن الأمكنة أوصاف طردية ملغاة ويقدح فيه ما سلف . وأما
المذهب الرابع فلا مطعن فيه إلا ما ذكرناه أنه لا تعارض بين قوله الخاص بنا وفعله ،
لا سيما ورؤية ابن عمر كانت اتفاقية من دون قصد منه ولا من الرسول صلى الله عليه
وآله وسلم ، فلو كان يترتب على هذا الفعل حكم لعامة الناس لبينه لهم ، فإن الاحكام
العامة لا بد من بيانها ، فليس في المقام ما يصلح التمسك به في الجواز إلا حديث عائشة
الآتي إن صلح للاحتجاج . ومن جملة المستدلين بحديث ابن عمر القائلون بكراهة التنزيه
وفيه ما مر وبقية الكلام على الحديث تقدمت في الباب الأول .
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : نهى النبي صلى الله عليه وآله
وسلم أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها رواه الخمسة إلا النسائي .
نيل الأوطار — صفحة 99
مساهمون: الشوكاني
ص٩٩