المذهب الرابع بحديث سلمان الذي في صحيح مسلم ، وليس فيه إلا النهي عن الاستقبال فقط
وهو باطل ، لأن النهي عن الاستدبار في الأحاديث الصحيحة وهو زيادة يتعين الاخذ بها .
واحتج أهل المذهب الخامس بحديث عائشة وجابر وابن عمر وسيأتي ذكر ذلك ، قالوا : إنها صارفة
للنهي عن معناه الحقيقي وهو التحريم إلى الكراهة ، وهو لا يتم في حديث ابن عمر وجابر
لأنه ليس فيهما إلا مجرد الفعل ، وهو لا يعارض القول الخاص بنا كما تقرر في الأصول ، ولا شك
أن قوله : لا تستقبلوا القبلة خطاب للأمة ، نعم إن صح حديث عائشة صلح لذلك . واحتج أهل
المذهب السادس بحديث ابن عمر لأن فيه أنه رآه مستدبر القبلة مستقبل الشام وفيه
ما سلف . واحتج أهل المذهب السابع بما رواه أبو داود قال : نهى رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم أن نستقبل القبلتين ببول أو بغائط رواه أبو داود وابن ماجة ، قال الحافظ في
الفتح : وهو حديث ضعيف لأن فيه راويا مجهول الحال ، وعلى تقدير صحته فالمراد بذلك
أهل المدينة ومن على سمتها ، لأن استقبالهم بيت المقدس يستلزم استدبارهم الكعبة ،
فالعلة استدبار الكعبة لا استقبال بيت المقدس . وقد ادعى الخطابي الاجماع على عدم
تحريم استقبال بيت المقدس لمن لا يستدبر في استقباله الكعبة وفيه نظر لما ذكرنا عن
إبراهيم وابن سيرين انتهى . وقد نسبه في البحر إلى عطاء والزهري والمنصور بالله والمذهب .
واحتج أهل المذهب الثامن بعموم قوله : شرقوا أو غربوا وهو استدلال في غاية الركة
والضعف . إذا عرفت هذه المذاهب وأدلتها لم يخف عليك ما هو الصواب منها ، وسيأتيك
التصريح به والمقام من معارك النظار فتدبره . وفي الحديث أيضا دلالة على أنه يجب
الاستنجاء بثلاثة أحجار ، ولا يجوز الاستنجاء بدونها لنهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن
الاستنجاء بدون ثلاثة أحجار ، وأما بأكثر من ثلاث فلا بأس به لأنه أدخل في الانقاء .
وقد ذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور إلى وجوب الاستنجاء ،
وأنه يجب أن يكون بثلاثة أحجار أو ثلاث مسحات ، وإذا استنجى للقبل والدبر وجب ست
مسحات لكل واحد ثلاث مسحات ، قالوا : والأفضل أن يكون بست أحجار ، فإن اقتصر
على حجر واحد له ست أحرف أجزأه ، وكذلك تجزئ الخرقة الصفيقة التي إذا مسح بأحد
جانبيها لا يصل البلل إلى الجانب الآخر ، قالوا : وتجب الزيادة على ثلاثة أحجار إن لم يحصل
الانقاء بها . وذهب مالك وداود إلى أن الواجب الانقاء ، فإن حصل بحجر أجزأه وهو وجه
لبعض أصحاب الشافعي ، وذهبت العترة وأبو حنيفة إلى أنه ليس بواجب ، وإنما يجب عند
نيل الأوطار — صفحة 96
مساهمون: الشوكاني
ص٩٦