تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
كظن من ظن منهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغلب ، وأن ما وعده الله من النصر أن لا يكون ، ونحو ذلك من ظنونهم الكاذبة التي ظنها من ظن ممن كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عسكره . حدثنا بشر ، قال : ثنا هوذة بن خليفة ، قال : ثنا عوف ، عن الحسن
وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا
قال : ظنونا مختلفة : ظن المنافقون أن محمدا وأصحابه يستأصلون ، وأيقن المؤمنون أن ما وعدهم الله حق ، أنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون . واختلفت القراء في قراءة قوله :
وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا
فقرأ ذلك عامة قراء المدينة ، وبعض الكوفيين :
الظُّنُونَا
بإثبات الألف ، وكذلك
وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا
فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا
في الوصل والوقف ؛ وكان اعتلال المعتل في ذلك لهم ، أن ذلك في كل مصاحف المسلمين بإثبات الألف في هذه الأحرف كلها . وكان بعض قراء الكوفة يثبت الألف فيهن في الوقف ، ويحذفها في الوصل اعتلالا بأن العرب تفعل ذلك في قوافي الشعر ومصاريعها ، فتلحق الألف في موضع الفتح للوقوف ، ولا تفعل ذلك في حشو الأبيات ، فإن هذه الأحرف ، حسن فيها إثبات الألفات ، لأنهن رؤوس الآي تمثيلا لها بالقوافي . وقرأ ذلك بعض قراء البصرة والكوفة بحذف الألف من جميعه في الوقف والوصل ، اعتلالا بأن ذلك غير موجود في كلام العرب إلا في قوافي الشعر دون غيرها من كلامهم ، وأنها إنما تفعل ذلك في القوافي طلبا لإتمام وزن الشعر ، إذ لو لم تفعل ذلك فيها لم يصح الشعر ، وليس ذلك كذلك في القرآن ، لأنه لا شيء يضطرهم إلى ذلك في القرآن ، وقالوا : هن مع ذلك في مصحف عبد الله بغير ألف . وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب ، قراءة من قرأه بحذف الألف في الوصل والوقف ، لأن ذلك هو الكلام المعروف من كلام العرب ، مع شهرة القراءة بذلك في قراء المصرين : الكوفة ، والبصرة ؛ ثم القراءة بإثبات الألف فيهن في حالة الوقف والوصل ، لأن علة من أثبت ذلك في حال الوقف أنه كذلك في خطوط مصاحف المسلمين . وإذا كانت العلة في إثبات الألف في بعض الأحوال كونه مثبتا في مصاحف المسلمين ، فالواجب أن تكون القراءة في كل الأحوال ثابتة ، لأنه مثبت في مصاحفهم . وغير جائز أن تكون العلة التي توجب قراءة ذلك على وجه من الوجوه في بعض الأحوال موجودة في حال أخرى ، والقراءة مختلفة ، وليس ذلك لقوافي الشعر بنظير ، لأن قوافي الشعر إنما تلحق فيها الألفات في مواضع الفتح ، والياء في مواضع الكسر ، والواو في مواضع الضم طلبا لتتمة الوزن ، وأن ذلك لو لم يفعل كذلك بطل أن يكون شعرا لاستحالته عن وزنه ، ولا شيء يضطر تالي القرآن إلى فعل ذلك في القرآن . وقوله :
هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ
يقول : عند ذلك اختبر إيمان المؤمنين ، ومحص القوم وعرف المؤمن من المنافق . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله
هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ
قال : محصوا . وقوله :
وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً
يقول : وحركوا بالفتنة تحريكا شديدا ، وابتلوا وفتنوا . وقوله :
وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
شك في الإيمان ، وضعف في اعتقادهم إياه : ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ، وذلك فيما ذكر قول معتب بن قشير . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني يزيد بن رومان
وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً
يقول : معتب بن قشير ، إذ قال ما قال يوم الخندق . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ،