تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
الخبيثة التي عملوها في الدنيا ، ثم نجازيهم عليها جزاءهم .
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
يقول : إن الله ذو علم بما تكنه صدورهم من الكفر بالله ، وإيثار طاعة الشيطان . وقوله :
نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا
يقول : نمهلهم في هذه الدنيا مهلا قليلا يتمتعون فيها
ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ
يقول : ثم نوردهم على كره منهم عذابا غليظا ، وذلك عذاب النار ، نعوذ بالله منها ، ومن عمل يقرب منها . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ . . .
لا يَعْلَمُونَ لِلَّهِ ما فِي . . .
الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
يقول تعالى ذكره : ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك
مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ، قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ، فإذا قالوا ذلك ، فقل لهم : الحمد لله الذي خلق ذلك ، لا لمن لا يخلق شيئا وهم يخلقون . ثم قال تعالى ذكره :
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
يقول : بل أكثر هؤلاء المشركون لا يعلمون من الذي له الحمد ، وأين موضع الشكر . وقوله :
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
يقول تعالى ذكره : لله كل ما في السماوات والأرض من شيء ملكا كائنا ما كان ذلك الشيء من وثن وصنم وغير ذلك ، مما يعبد أو لا يعبد
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
يقول : إن الله هو الغني عن عباده هؤلاء المشركين به الأوثان والأنداد ، وغير ذلك منهم ومن جميع خلقه ، لأنهم ملكه وله ، وبهم الحاجة إليه .
الْحَمِيدُ
يعني المحمود على نعمه التي أنعمها على خلقه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
يقول تعالى ذكره : ولو أن شجر الأرض كلها بريت أقلاما
وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ
يقول : والبحر له مداد ، والهاء في قوله
يَمُدُّهُ
عائدة على البحر . وقوله
مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
وفي هذا الكلام محذوف استغنى بدلالة الظاهر عليه منه ، وهو يكتب كلام الله بتلك الأقلام ويذلك المداد ، لتكسرت تلك الأقلام ، ولنفذ ذلك المداد ، ولم تنفد كلمات الله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، قال : سألت الحسن عن هذه الآية
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ
قال : لو جعل شجر الأرض أقلاما ، وجعل البحور مدادا ، وقال الله : إن من أمري كذا ، ومن أمري كذا ، لنفد ماء البحور ، وتكسرت الأقلام . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا الحكم ، قال : ثنا عمرو ، في قوله
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ
قال : لو بريت أقلاما والبحر مدادا ، فكتب بتلك الأقلام منه
ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
ولو مده سبعة أبحر . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
قال : قال المشركون : إنما هذا كلام يوشك أن ينفد ، قال : لو كان شجر البر أقلاما ، ومع البحر سبعة أبحر ما كان لتنفد عجائب ربي وحكمته وخلقه وعلمه . . وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبب مجادلة كانت من اليهود له . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يونس بن بكير ، قال : ثنا ابن إسحاق ، قال : ثني رجل من أهل مكة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أن أحبار يهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة : يا محمد أرأيت قوله
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
إيانا تريد أم قومك ؟ فقال رسول الله صلى صلى الله عليه وسلم : " كلا " ، فقالوا : ألست تتلو فيما جاءك : أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان كل شيء ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنها في علم الله قليل وعندكم من ذلك ما يكفيكم " ، فأنزل الله عليه فيما سألوه عنه من ذلك :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ