وقد بينا معنى الآل فيما مضى بما فيه الكفاية من إعادته هاهنا . وقوله :
لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
فيقول القائل : ليكون موسى لآل فرعون عدوا وحزنا فالتقطوه ، فيقال
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
قيل : إنهم حين التقطوه لم يلتقطوه لذلك ، بل لما تقدم ذكره . ولكنه إن شاء الله كما . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة عن ابن إسحاق ، في قوله :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
قال : ليكون في عاقبة أمره عدوا وحزنا لما أراد الله به ، وليس لذلك أخذوه ، ولكن امرأة فرعون قالت :
قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ
فكان قول الله :
لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
لما هو كائن في عاقبة أمره لهم ، وهو كقول القائل الآخر إذا قرعه لفعل كان فعله وهو يحسب محسنا في فعله ، فأداه فعله ذلك إلى مساءة مندما له على فعله :
فعلت هذا لضر نفسك ، ولتضر به نفسك فعلت . وقد كان الفاعل في حال فعله ذلك عند نفسه يفعله راجيا نفعه ، غير أن العاقبة جاءت بخلاف ما كان يرجو . فكذلك قوله :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
إنما هو : فالتقطه آل فرعون ظنا منهم أنهم محسنون إلى أنفسهم ، ليكون قرة عين لهم ، فكانت عاقبة التقاطهم إياه منه هلاكهم على يديه . وقوله :
عَدُوًّا وَحَزَناً
يقول : يكون لهم عدوا في دينهم ، وحزنا على ما ينالهم منه من المكروه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
حدثني بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
عدوا لهم في دينهم ، وحزنا لما يأتيهم . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة :
وَحَزَناً
بفتح الحاء والزاي . وقرأته عامة قراء الكوفة : " وحزنا " بضم الحاء وتسكين الزاي . والحزن بفتح الحاء والزاي مصدر من حزنت حزنا ، والحزن بضم الحاء وتسكين الزاي الاسم : كالعدم والعدم ونحوه . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان متقاربتا المعنى ، وهما على اختلاف اللفظ فيهما بمنزلة العدم ، والعدم ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقوله :
إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ
يقول تعالى ذكره : إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا بربهم آثمين ، فلذلك كان لهم موسى عدوا وحزنا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ
يقول تعالى ذكره :
وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ
له هذا
قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ
يا فرعون ؛ فقرة عين مرفوعة بمضمر هو هذا ، أو هو . وقوله :
لا تَقْتُلُوهُ
مسألة من امرأة فرعون أن لا يقتله . وذكر أن المرأة لما قالت هذا القول لفرعون ، قال فرعون : أما لك فنعم ، وأما لي فلا ، فكان كذلك . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي معشر ، عن محمد بن قيس ، قال : قالت امرأة فرعون :
قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ، لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً
قال فرعون : قرة عين لك ، أما لي فلا . قال محمد بن قيس : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" لو قال فرعون : قرة عين لي ولك ، لكان لهما جميعا " . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : اتخذه فرعون ولدا ، ودرعي على أنه ابن فرعون ؛ فلما تحرك الغلام أرته أمه آسية صبيا ، فبينما هي ترقصه وتلعب به ، إذ ناولته فرعون ، وقالت : خذه قرة عين لي ولك ، قال فرعون : هو قرة عين لك ، لا لي . قال عبد الله بن عباس : لو أنه قال : وهو لي قرة عين إذن لآمن به ، ولكنه أبى . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قالت امرأة فرعون :
قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ
تعني بذلك موسى . حدثنا العباس بن الوليد ، قال : أخبرنا يزيد ، قال : أخبرنا الأصبغ بن يزيد ، قال : ثنا القاسم بن أبي أيوب ، قال : ثني سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما أتت بموسى امرأة فرعون فرعون قالت :
قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ
قال