تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
الأصنام ، فيرزقونكم شيئا على عبادتكموها ، أو يضرونكم فيعاقبونكم على ترككم عبادتها بأن يسلبوكم أموالكم ، أو يهلكوكم إذا هلكتم وأولادكم
قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ
. وفي الكلام متروك استغني بدلالة ما ذكر عما ترك ، وذلك جوابهم إبراهيم عن مسألته إياهم :
هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ
فكان جوابهم إياه : لا ، ما يسمعوننا إذا دعوناهم ، ولا ينفعوننا ولا يضرون ، يدل على أنهم بذلك أجابوه . قولهم :
بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ
وذلك رجوع عن مجحود ، كقول القائل : ما كان كذا بل كذا وكذا ، ومعنى قولهم :
وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ
وجدنا من قبلنا ولا يضرون ، يدل على أنهم بذلك أجابوه . قولهم من آبائنا يعبدونها ويعكفون عليها لخدمتها وعبادتها ، فنحن نفعل ذلك اقتداء بهم ، واتباعا لمنهاجهم . القول في تأويل قوله تعالى :
قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . . .
عَدُوٌّ لِي
يقول تعالى ذكره : قال إبراهيم لقومه : أفرأيتم أيها القوم ما كنتم تعبدون من هذه الأصنام أنتم وآباؤكم الأقدمون ، يعني بالأقدمين : الأقدمين من الذين كان إبراهيم يخاطبهم ، وهم الأولون قبلهم ممن كان على مثل ما كان عليه الذين كلمهم إبراهيم من عبادة الأصنام فإنهم عدو لي إلا رب العالمين . يقول قائل : وكيف يوصف الخشب والحديد والنحاس بعداوة ابن آدم ؟ فإن معنى ذلك : فإنهم عدو لي لو عبدتهم يوم القيامة ، كما قال جل ثناؤه
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ، كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا
. وقوله :
إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ
نصبا على الاستثناء ، والعدو بمعنى الجمع ، ووحد لأنه أخرج مخرج المصدر ، مثل القعود والجلوس . ومعنى الكلام : أفرأيتم كل معبود لكم ولآبائكم ، فإني منه بريء لا أعبده ، إلا رب العالمين . القول في تأويل قوله تعالى :
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ
يقول : فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ
للصواب من القول والعمل ، ويسددني للرشاد .
وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ
يقول : والذي يغذوني بالطعام والشراب ، ويرزقني الأرزاق .
وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
يقول : وإذا سقم جسمي واعتل ، فهو يبرئه ويعافيه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ
يقول : والذي يميتني إذا شاء ثم يحييني إذا أراد بعد مماتي .
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ
فربي هذا الذي بيده نفعي وضري ، وله القدرة والسلطان ، وله الدنيا والآخرة ، لا الذي لا يسمع إذا دعي ، ولا ينفع ولا يضر . وإنما كان هذا الكلام من إبراهيم احتجاجا على قومه ، في أنه لا تصلح الألوهة ، ولا ينبغي أن تكون العبودة إلا لمن يفعل هذه الأفعال ، لا لمن لا يطيق نفعا ولا ضرا . وقيل : إن إبراهيم صلوات الله عليه ، عني بقوله :
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ
والذي أرجو أن يغفر لي قولي :
إِنِّي سَقِيمٌ
وقوله :
بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا
وقولي لسارة إنها أختي . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله :
أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ
قال : قوله :
إِنِّي سَقِيمٌ
وقوله
فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا
وقوله لسارة : إنها أختي ، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله :
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ
قال : قوله
إِنِّي سَقِيمٌ
وقوله
بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا
وقوله لسارة : إنها أختي . حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو تميلة ،
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 53 | محمد بن جرير الطبري