تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
أحدهما من الجن وهو إبليس ، والآخر فرعون
فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
ولقد رأيتني يا محمد ، وأنا أحشو في فيه مخافة أن يقول كلمة يرحمه الله بها . وقد زعم بعضهم أن معنى قوله :
وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ
وجمعنا ، قال : ومنه ليلة المزدلفة ، قال : ومعنى ذلك : أنها ليلة جمع . وقال بعضهم : وأزلفنا ثم وأهلكنا . وقوله :
وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ
يقول تعالى ذكره : وأنجينا موسى مما أتبعنا به فرعون وقومه من الغرق في البحر ومن مع موسى من بني إسرائيل أجمعين . وقوله :
ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ
يقول : ثم أغرقنا فرعون وقومه من القبط في البحر بعد أن أنجينا موسى منه ومن معه . وقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً
يقول تعالى ذكره : إن فيما فعلت بفرعون ومن معه تغريقي إياهم في البحر إذ كذبوا رسولي موسى ، وخالفوا أمري بعد الإعذار إليهم ، والإنذار لدلالة بينة يا محمد لقومك من قريش على أن ذلك سنتي فيمن سلك سبيلهم من تكذيب رسلي ، وعظة لهم وعبرة أن ادكروا واعتبروا أن يفعلوا مثل فعلهم من تكذيبك مع البرهان والآيات التي قد أتيتهم ، فيحل بهم من العقوبة نظير ما حل بهم ، ولك آية في فعلي بموسى ، وتنجيتي إياه بعد طول علاجه فرعون وقومه منه ، وإظهاري إياه وتوريثه وقومه دورهم وأرضهم وأموالهم ، على أني سالك فيك سبيله ، إن أنت صبرت صبره ، وقمت من تبليغ الرسالة إلى من أرسلتك إليه قيامه ، ومظهرك على مكذبيك ، ومعليك عليهم .
وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
يقول : وما كان أكثر قومك يا محمد مؤمنين بما أتاك الله من الحق المبين ، فسابق في علمي أنهم لا يؤمنون .
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ
في انتقامه ممن كفر به وكذب رسله من أعدائه ،
الرَّحِيمُ
بمن أنجى من رسله ، وأتباعهم من الغرق والعذاب الذي عذب به الكفرة . القول في تأويل قوله تعالى :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ
يقول تعالى ذكره : وأقصص على قومك من المشركين يا محمد خبر إبراهيم حين قال لأبيه وقومه : أي شيء تعبدون ؟
قالُوا
له :
نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ
يقول : فنظل لها خدما مقيمين على عبادتها وخدمتها . وقد بينا معنى العكوف بشواهده فيما مضى قبل ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وكان ابن عباس فيما روي عنه يقول في معنى ذلك ما . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس ، قوله :
قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ
قال : الصلاة لأصنامهم . القول في تأويل قوله تعالى :
قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . . .
بَلْ وَجَدْنا
يقول تعالى ذكره : قال إبراهيم لهم : هل تسمع دعاءكم هؤلاء الآلهة إذ تدعونهم ؟ واختلف أهل العربية في معنى ذلك : فقال بعض نحويي البصرة معناه : هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم . فحذف الدعاء ، كما قال زهير :
القائد الخيل منكوبا دوائرها * قد أحكمت حكمات القد والأبقا
وقال : يريد أحكمت حكمات الأبق ، فألقى الحكمات وأقام الأبق مقامها . وقال بعض من أنكر ذلك من قوله من أهل العربية : الفصيح من الكلام في ذلك هو ما جاء في القرآن ، لأن العرب تقول : سمعت زيدا متكلما ، يريدون : سمعت كلام زيد ، ثم تعلم أن السمع لا يقع على الأناسي . إنما يقع على كلامهم ثم يقولون : سمعت زيدا : أي سمعت كلامه . قال : ولو لم يقدم في بيت زهير حكمات القد لم يجز أن يسبق بالأبق عليها ، لأنه لا يقال : رأيت الأبق ، وهو يريد الحكمة . وقوله :
أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ
يقول : أو تنفعكم هذه
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 52 | محمد بن جرير الطبري