تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
وهو على المنبر أيضا : " يا معشر المسلمين ، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي ؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا ، وما كان يدخل على أهلي إلا معي " فقام سعد بن معاذ الأنصاري ، فقال : أنا أعذرك منه يا رسول الله ، إن كان من الأوس ضربنا عنقه ، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك . فقام سعد بن عبادة ، فقال ، وهو سيد الخزرج ، وكان رجلا صالحا ، ولكن احتملته الحمية ، فقال : أي سعد بن معاذ ، لعمر الله لا تقتله ، ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير ، وهو ابن عمة سعد بن معاذ ، فقال لسعد بن عبادة : كذبت ، لعمر الله لنقتلنه ، فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الحيان : الأوس والخزرج ، حتى هموا أن يقتتلوا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر ، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا . ثم أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في بيت أبوي أبو عائشة ، فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي ، استأذنت علي امرأة من الأنصار ، فأذنت لها ، فجلست تبكي معي ؛ قالت : فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم جلس عندي ، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل ، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء ؛ قالت : فتشهد رسول " الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ، ثم قال : " أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب ، فاستغفري الله ، وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه " . فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته ، قلص دمعي ، حتى ما أحسن منه دمعة ؛ قلت لأبي أبو عائشة : أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لأمي أم عائشة : أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن : إني والله لقد عرفت أن قد سمعتم بهذا ، حتى استقر في أنفسكم ، حتى كدتم أن تصدقوا به ، فإن قلت لكم : إني بريئة والله يعلم أني بريئة ، لا تصدقوني بذلك ، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة ، لتصدقني ، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف :
وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ
ثم توليت واضطجعت على فراشي ، وأنا والله أعلم أني بريئة وأن الله سيبرئني ببراءتي ، ولكني والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى ، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام رؤيا يبرئني الله بها . قالت : والله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج من البيت أحد حتى أنزل الله على نبيه ، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي ، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي أنزل عليه . قالت : فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك ، كان أول كلمة تكلم بها أن قال : " أبشري يا عائشة ، إن الله قد برأك " فقالت لي أمي أم عائشة ، قومي إليه فقلت : والله لا أقوم إليه ، ولا أحمد إلا الله ، هو الذي أنزل براءتي . فأنزل الله :
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ
عشر آيات ، فأنزل هذه الآيات