تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
القول في تأويل قوله تعالى :
وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ
يعني جل ذكره بقوله :
وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ
الملاعنة ويدفع عنها الحد . واختلف أهل العلم في العذاب الذي عناه الله في هذا الموضع أنه يدرؤه عنها شهاداتها الأربع ، فقال بعضهم بنحو الذي قلنا في ذلك ، من أن الحد جلد مئة إن كانت بكرا أو الرجم إن كانت ثيبا قد أحصنت الملاعنة . وقال آخرون : بل ذلك الحبس ، وقالوا : الذي يجب عليها إن هي لم تشهد الشهادات الأربع بعد شهادات الزوج الأربع والتعانه الملاعنة : الحبس دون الحد . وإنما قلنا : الواجب عليها إذا هي امتنعت من الالتعان بعد التعان الزوج الحد الذي وصفنا الملاعنة ، قياسا على إجماع الجميع على أن الحد إذا زال عن الزوج بالشهادات الأربع على تصديقه فيما رماها به ، أن الحد عليها واجب ، فجعل الله أيمانه الأربع والتعانه في الخامسة مخرجا له من الحد الذي يجب لها برميه إياها ، كما جعل الشهداء الأربعة مخرجا له منه في ذلك وزائلا به عنه الحد ؛ فكذلك الواجب أن يكون بزوال الحد عنه بذلك واجبا عليها حدها كما كان بزواله عنه بالشهود واجبا عليها ، لا فرق بين ذلك . وقد استقصينا العلل في ذلك في باب اللعان من كتابنا المسمى " لطيف القول في شرائع الإسلام " ، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقوله :
أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ
الملاعنة يقول : ويدفع عنها العذاب أن تحلف بالله أربع أيمان : أن زوجها الذي رماها بما رماها به من الفاحشة ، لمن الكاذبين فيما رماها من الزنا . وقوله :
وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها
الآية ، الملاعنة يقول : والشهادة الخامسة : أن غضب الله عليها إن كان زوجها فيما رماها به من الزنا من الصادقين . ورفع قوله :
وَالْخامِسَةُ
في كلتا الآيتين ، ب " أن " التي تليها . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ
يقول تعالى ذكره : ولولا فضل الله عليكم أيها الناس ورحمته بكم ، وأنه عواد على خلقه بلطفه وطوله ، حكيم في تدبيره إياهم وسياسته لهم ؛ لعاجلكم بالعقوبة على معاصيكم وفضح أهل الذنوب منكم بذنوبهم ، ولكنه ستر عليكم ذنوبكم وترك فضيحتكم بها عاجلا ، رحمة منه بكم وتفضلا عليكم ، فاشكروا نعمه وانتهوا عن التقدم عما عنه نهاكم من معاصيه . وترك الجواب في ذلك ، اكتفاء بمعرفة السامع المراد منه . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ
يقول تعالى ذكره : إن الذين جاءوا بالكذب والبهتان
عُصْبَةٌ مِنْكُمْ
يقول : جماعة منكم أيها الناس .
لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
يقول : لا تظنوا ما جاءوا به من الإفك شرا لكم عند الله وعند الناس ، بل ذلك خير لكم عنده وعند المؤمنين ؛ وذلك أن الله يجعل ذلك كفارة للمرمي به ، ويظهر براءته مما رمي به ، ويجعل له منه مخرجا . وقيل : إن الذي عنى الله بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ
جماعة ، منهم حسان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش . كما : حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد ،
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 68 | محمد بن جرير الطبري