قرار ، لما فيها من الثمار ، ومن أجل ذلك يستقر فيها ساكنوها ، فلا وجه له نعرفه . وأما
مَعِينٍ
فإنه مفعول من عنته فأنا أعينه ، وهو معين ؛ وقد يجوز أن يكون فعيلا من معن يمعن ، فهو معين من الماعون ؛ ومنه قول عبيد بن الأبرص :
واهية أو معين ممعن * أو هضبة دونها لهوب
القول في تأويل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
يقول تعالى ذكره : وقلنا لعيسى : يا أيها الرسل كلوا من الحلال الذي طيبه الله لكم دون الحرام ،
وَاعْمَلُوا صالِحاً
تقول في الكلام للرجل الواحد : أيها القوم كفوا عنا أذاكم ، وكما قال :
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ
، وهو رجل واحد . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني ابن عبد الأعلى بن واصل ، قال : ثني عبيد بن إسحاق الضبي العطار ، عن حفص بن عمر الفزاري ، عن أبي إسحاق السبيعي ، عن عمرو بن شرحبيل :
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً
قال :
كان عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه . وقوله :
إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
يقول : إني بأعمالكم ذو علم ، لا يخفى علي منها شيء ، وأنا مجازيكم بجميعها ، وموفيكم أجوركم وثوابكم عليها ، فخذوا في صالحات الأعمال واجتهدوا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ
اختلفت القراء في قراءة قوله :
وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
، فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والبصرة : " وأن " بالفتح ، بمعنى : إني بما تعملون عليم ، وأن هذه أمتكم أمة واحدة . فعلى هذا التأويل " وأن " في موضع خفض ، عطف بها على " ما " من قوله :
بِما تَعْمَلُونَ
، وقد يحتمل أن تكون في موضع نصب إذا قرئ ذلك كذلك ، ويكون معنى الكلام حينئذ : واعلموا أن هذه ، ويكون نصبها بفعل مضمر . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين بالكسر :
وَإِنَّ
هذه على الاستئناف . والكسر في ذلك عندي على الابتداء هو الصواب ، لأن الخبر من الله عن قيله لعيسى :
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ
مبتدأ ، فقوله :
وَإِنَّ هذِهِ
مردود عليه عطفا به عليه ؛ فكان معنى الكلام : وقلنا لعيسى : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ، وقلنا : وإن هذه أمتكم أمة واحدة . وقيل : إن الأمة الذي في هذا الموضع : الدين والملة . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، في قوله :
وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
قال : الملة والدين . وقوله :
وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ
يقول : وأنا مولاكم فاتقون بطاعتي تأمنوا عقابي . ونصبت " أمة واحدة " على الحال . وذكر عن بعضهم أنه قرأ ذلك رفعا . وكان بعض نحويي البصرة يقول : رفع ذلك إذا رفع على الخبر ، ويجعل أمتكم نصبا على البدل من هذه . وأما نحويو الكوفة فيأبون ذلك إلا في ضرورة شعر ، وقالوا : لا يقال : مررت بهذا غلامكم ؛ لأن " هذا " لا تتبعه إلا الألف واللام والأجناس ، لأن