تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
بمعنى واحد ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ؛ غير أني مع ذلك أختار القراءة بغير تنوين ، لأنها أفصح اللغتين وأشهرهما . وقوله :
كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ
يقول : كلما جاء أمة من تلك الأمم التي أنشأناها بعد ثمود رسولها الذي نرسله إليهم ، كذبوه فيما جاءهم به من الحق من عندنا . وقوله :
فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً
يقول : فأتبعنا بعض تلك الأمم بعضا بالهلاك فأهلكنا بعضهم في إثر بعض . وقوله :
وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ
للناس ومثلا يتحدث بهم في الناس والأحاديث في هذا الموضع جمع أحدوثة لأن المعنى ما وصفت من أنهم جعلوا للناس مثلا يتحدث بهم ، وقد يجوز أن يكون جمع حديث . وإنما قيل :
وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ
لأنهم جعلوا حديثا ومثلا يتمثل بهم في الشر ، ولا يقال في الخير : جعلته حديثا ولا أحدوثة . وقوله :
فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ
يقول : فأبعد الله قوما لا يؤمنون بالله ولا يصدقون برسوله . القول في تأويل قوله تعالى :
ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ
يقول تعالى ذكره : ثم أرسلنا بعد الرسل الذين وصف صفتهم قبل هذه الآية ، موسى وأخاه هارون إلى فرعون وأشراف قومه من القبط
بِآياتِنا
يقول : بحججنا ، إلى فرعون وأشراف قومه من القبط
فَاسْتَكْبَرُوا
عن اتباعها والإيمان بما جاءهم به من عند الله .
وَكانُوا قَوْماً عالِينَ
يقول : وكانوا قوما عالين عالين على أهل ناحيتهم ومن في بلادهم من بني إسرائيل وغيرهم بالظلم ، قاهرين لهم . وكان ابن زيد يقول في ذلك ما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، وقوله :
وَكانُوا قَوْماً عالِينَ
قال : علوا على رسلهم وعصوا ربهم ؛ ذلك علوهم . وقرأ :
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ
الآية . القول في تأويل قوله تعالى :
فَقالُوا أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ . . .
مِنَ الْمُهْلَكِينَ
يقول تعالى ذكره : فقال فرعون وملؤه :
أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا
فنتبعهما
وَقَوْمُهُما
من بني إسرائيل
لَنا عابِدُونَ
يعنون أنهم لهم مطيعون متذللون ، يأتمرون لأمرهم ويدينون لهم . والعرب تسمي كل من دان لملك عابدا له ، ومن ذلك قيل لأهل الحيرة : العباد ، لأنهم كانوا أهل طاعة لملوك العجم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : قال فرعون :
أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا
الآية ، نذهب نرفعهم فوقنا ، ونكون تحتهم ، ونحن اليوم فوقهم وهم تحتنا ، كيف نصنع ذلك ؟ وذلك حين أتوهم بالرسالة . وقرأ :
وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ
قال : العلو في الأرض . وقوله :
فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ
يقول : فكذب فرعون وملؤه موسى وهارون ، فكانوا ممن أهلكهم الله كما أهلك من قبلهم من الأمم بتكذيبها رسلها . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
يقول تعالى ذكره : ولقد آتينا
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 19 | محمد بن جرير الطبري