الآية ، يقول : ما ينزل عليهم من شيء من القرآن إلا استمعوه وهم يلعبون . القول في تأويل قوله تعالى :
لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ . . .
وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ
يقول تعالى ذكره :
لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ
غافلة ، يقول : ما يستمع هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم هذا القرآن إلا وهم يلعبون غافلة عنه قلوبهم ، لا يتدبرون حكمه ولا يتفكرون فيما أودعه الله من الحجج عليهم . ما : حدثنا بشر قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ
يقول :
غافلة قلوبهم . وقوله :
وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
يقول : وأسر هؤلاء الناس الذين اقتربت الساعة منهم وهم في غفلة معرضون ، لاهية قلوبهم ، النجوى بينهم ، يقول : وأظهروا المناجاة بينهم فقالوا : هل هذا الذي يزعم أنه رسول من الله أرسله إليكم
إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
؟ يقولون : هل هو إلا إنسان مثلكم في صوركم وخلقكم ؟ يعنون بذلك محمدا . وقال الذين ظلموا فوصفهم بالظلم بفعلهم وقيلهم الذي أخبر به عنهم في هذه الآيات إنهم يفعلون ويقولون من الإعراض عن ذكر الله والتكذيب برسوله . ولى " الذين " من قوله :
وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
في الإعراب وجهان : الخفض على أنه تابع للناس في قوله :
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ
والرفع على الرد على الأسماء الذين في قوله :
وَأَسَرُّوا النَّجْوَى
من ذكر الناس ، كما قيل :
ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ
. وقد يحتمل أن يكون الذين رفعا على الابتداء ، ويكون معناه :
وأسروا النجوى ، ثم قال : هم الذين ظلموا . وقوله :
أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ
يقول : وأظهروا هذا القول بينهم ، وهي النجوى التي أسروها بينهم ، فقال بعضهم لبعض : أتقبلون السحر وتصدقون به وأنتم تعلمون أنه سحر ؟ يعنون بذلك القرآن ؛ كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال :
قال ابن زيد ، في قوله :
أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ
قال : قال أهل الكفر لنبيهم لما جاء به من عند الله ، زعموا أنه ساحر ، وأن ما جاء به سحر ، قالوا : أتأتون السحر وأنتم تبصرون ؟ القول في تأويل قوله تعالى :
قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
. اختلفت القراء في قراءة قوله : " قل ربي " فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والبصرة وبعض الكوفيين : " قل ربي " على وجه الأمر .
وقرأه بعض قراء مكة وعامة قراء الكوفة :
قالَ رَبِّي
على وجه الخبر . وكأن الذين قرءوه قال ربي على وجه الأمر أرادوا من تأويله : قل يا محمد للقائلين
أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ
ربي يعلم قول كل قائل في السماء والأرض ، لا يخفى عليه منه شيء ؛ وهو السميع لذلك كله ولما يقولون من الكذب ، العليم بصدقي وحقيقة ما أدعوكم إليه وباطل ما تقولون وغير ذلك من الأشياء كلها . وكان الذين قرءوا ذلك قال على وجه الخبر أرادوا : قال محمد : ربي يعلم القول ؛ خبرا من الله عن جواب نبيه إياهم . والقول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار ، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء ، وجاءت بهما مصاحف المسلمين متفقتا المعنى ؛ وذلك أن الله إذا أمر محمدا بقيل ذلك قاله ، وإذا قاله فعن أمر الله قاله ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب في قراءته . القول في تأويل قوله تعالى :
بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ
. يقول تعالى ذكره : ما صدقوا بحكمة هذا القرآن ولا أنه من عند الله ، ولا أقروا بأنه وحي أوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم ؛ بل قال بعضهم : هو أهاويل رؤيا رآها في النوم ، وقال بعضهم : هو فرية واختلاق افتراه واختلقه من قبل نفسه ، وقال بعضهم : بل محمد شاعر ، وهذا الذي جاءكم به شعر .
فَلْيَأْتِنا
يقول : قالوا فليجئنا محمد إن كان صادقا في قوله إن الله بعثه رسولا إلينا وإن هذا الذي يتلوه علينا وحي من الله أوحاه إلينا ،
بِآيَةٍ
يقول : بحجة ودلالة على حقيقة ما يقول ويدعي ،
كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ
يقول : كما جاءت به الرسل الأولون من قوله من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وكناقة صالح ، وما أشبه ذلك من المعجزات التي