الجزء السابع عشر
[ تفسير سورة الأنبياء ]
القول في تأويل قوله تعالى
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ
يقول تعالى ذكره : دنا حساب الناس على أعمالهم التي عملوها في دنياهم ونعمهم التي أنعمها عليهم فيها في أبدانهم ، وأجسامهم ، ومطاعمهم ، ومشاربهم ، وملابسهم وغير ذلك من نعمه عندهم ، ومسئلته إياهم ماذا عملوا فيها ؛ وهل أطاعوه فيها ، فانتهوا إلى أمره ونهيه في جميعها ، أم عصوه فخالفوا أمره فيها ؟
وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ
يقول : وهم في الدنيا عما الله فاعل بهم من ذلك يوم القيامة ، وعن دنو محاسبته إياهم منهم ، واقترابه لهم في سهو وغفلة ، وقد أعرضوا عن ذلك ، فتركوا الفكر فيه والاستعداد له والتأهب ، جهلا منهم بما هم لاقوه عند ذلك من عظيم البلاء وشديد الأهوال . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله
وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ
قال أهل التأويل ، وجاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا أبو الوليد ، قال : ثني أبو معاوية ، قال : أخبرنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم
وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ
قال : " في الدنيا " القول في تأويل قوله تعالى :
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ
يقول تعالى ذكره : ما يحدث الله من تنزيل شيء من هذا القرآن للناس ويذكرهم به ويعظهم ، إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم . وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله :
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ