تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
وأقصص على قومك أنه كان مخلصا . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين : " إنه كان مخلصا " بكسر اللام من المخلص ، بمعنى : إنه كان يخلص لله العبادة ، ويفرده بالألوهة ، من غير أن يجعل له فيها شريكا . وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة خلا عاصم :
إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً
بفتح اللام من مخلص ، بمعنى : إن موسى كان الله قد أخلصه واصطفاه لرسالته ، وحمله نبيا مرسلا . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي : أنه كان صلى الله عليه وسلم مخلصا عبادة الله ، مخلصا للرسالة والنبوة ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب .
وَكانَ رَسُولًا
يقول : وكان لله رسولا إلى قومه بني إسرائيل ، ومن أرسله إليه نبيا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ
يقول تعالى ذكره : ونادينا موسى من ناحية الجبل ، ويعني بالأيمن : يمين موسى ، لأنة الجبل لا يمين له ولا شمال ، وإنما ذلك كما يقال : قام عن يمين القبلة وعن شمالها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله :
مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ
قال : جانب الجبل الأيمن . وقد بينا معنى الطور واختلاف المختلفين فيه ، ودللنا على الصواب من القول فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقوله :
وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا
يقول تعالى ذكره : وأدنيناه مناجيا ، كما يقال : فلان نديم فلان ومنادمه ، وجليس فلان ومجالسه . وذكر أن الله جل ثناؤه أدناه ، حتى سمع صريف القلم . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا يحيى ، قال : ثنا سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس
وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا
قال : أدني حتى سمع صريف القلم . حدثنا محمد بن منصور الطوسي ، قال : ثنا يحي بن أبي بكر ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، قال : أراه عن مجاهد ، في قوله :
وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا
قال : بين السماء الرابعة ، أو قال : السابعة ، وبين العرش سبعون ألف حجاب : حجاب نور ، وحجاب ظلمة ، وحجاب نور ، وحجاب ظلمة ؛ فما زال يقرب موسى حتى كان بينه وبينه حجاب ، وسمع صريف القلم
قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
حدثنا علي بن سهل ، قال : ثني حجاج ، عن أبي جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، قال : قربه منه حتى سمع صريف القلم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن عطاء ، عن ميسرة
وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا
قال : أدني حتى سمع صريف القلم في اللوح ، وقال شعبة : أردفه جبرائيل عليه السلام . وقال قتادة في ذلك ، ما : حدثنا به الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله :
وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا
قال : نجا بصدقه . وقوله :
وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ
يقول : ووهبنا لموسى رحمة منا أخاه هارون
نَبِيًّا
يقول : أيدناه بنبوته ، وأعناه بها ، كما : حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن داود ، عن عكرمة ، قال : قال أبن عباس : قوله :
وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا
قال : كان هارون أكبر من موسى ، ولكن أراد وهب له نبوته . القول في تأويل قوله تعالى :
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 71 | محمد بن جرير الطبري