وذلك لما رأى من كتمانها لذلك . ثم تولى يوسف خدمة المسجد ، وكفاها كل عمل كانت تعمل فيه ، وذلك لما رأى من رقة جسمها ، واصفرار لونها ، وكلف وجهها ، ونتو بطنها ، وضعف قوتها ، ودأب نظرها ، ولم تكن مريم قبل ذلك كذلك ؛ فلما دنا نفاسها أوحى الله إليها أن أخرجي من أرض قومك ، فإنهم إن ظفروا بك عيروك ، وقتلوا ولدك ، فأفضت ذلك إلى أختها ، وأختها حينئذ حبلى ، وقد بشرت بيحيى ، فلما التقيا وجدت أم يحيى ما في بطنها خر لوجهه ساجدا معترفا لعيسى ، فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له ليس بينها حين ركبت وبين الأكاف شيء ، فانطلق يوسف بها حتى إذا كان متاخما لأرض مصر في منقطع بلاد قومها ، أدرك مريم النفاس ، ألجأها إلى آري حمار ، يعنى مذود الحمار ، وأصل نخلة ، وذلك في زمان أحسبه بردا أو حرا " الشك من أبي جعفر " ، فاشتد على مريم المخاض ؛ فلما وجدت منه شدة التجأت إلى النخلة فاحتضنتها واحتوشتها الملائكة ، قاموا صفوفا محدقين بها . وقد روي عن وهب بن منبه قول آخر غير هذا ، وذلك ما : حدثنا به ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق عمن لا يتهم ، عن وهب بن منبه ، قال : لما حضر ولادها ، يعني مريم ، ووجدت ما تجد المرأة من الطلق ، خرجت من المدينة مغربة من إيلياء ، حتى تدركها الولادة إلى قرية من إيلياء على ستة أميال يقال لها بيت لحم ، فأجاءها المخاض إلى أصل نخلة إليها مذود بقرة تحتها ربيع من الماء ، فوضعته عندها . وقال آخرون : بل خرجت لما حضر وضعها ما في بطنها إلى جانب المحراب الشرقي منه ، فأتت أقصاه فألجأها المخاض إلى جذع النخلة ، وذلك قول السدي ، وقد ذكرت الرواية به قبل . حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة ، قال : ثنا حجاج ، قال : قال ابن جريج :
أخبرني المغيرة بن عثمان ، قال : سمعت ابن عباس يقول : ما هي إلا أن حملت فوضعت . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : وأخبرني المغيرة بن عثمان بن عبد الله أنه سمع ابن عباس يقول : ليس إلا أن حملت فولدت . وقوله :
يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا
ذكر أنها قالت ذلك في حال الطلق استحياء من الناس ، كما : حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : قالت وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس :
يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا
تقول : يا ليتني مت قبل هذا الكرب الذي أنا فيه ، والحزن بولادتي المولود من غير بعل ،
وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا
: شيئا نسي فترك طلبه كخرق الحيض التي إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر ، وكذلك كل شيء نسي وترك ولم يطلب فهو نسي . نسيا ونسي بفتح النون وكسرها لغتان معروفتان من لغات العرب بمعنى واحد ، مثل الوتر والوتر ، والجسر والجسر ، وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب عندنا ؛ وبالكسر قرأت عامة قراء الحجاز والمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة ؛ وبالفتح قرأه أهل الكوفة ؛ ومنه قول الشاعر :
كأن لها في الأرض نسيا تقصه * إذا ما غدت وإن تحدثك تبلت