ومأجوج ثلاثة أصناف : صنف طولهم كطول الأرز ، وصنف طوله وعرضه سواء ، وصنف يفترش أحدهم أذنه ويلتحف بالأخرى فتغطي سائر جسده . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثنى أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
قال : كان أبو سعيد الخدري يقول : إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يموت رجل منهم حتى يولد لصلبه ألف رجل " قال : وكان عبد الله بن مسعود يعجب من كثرتهم ويقول : لا يموت من يأجوج ومأجوج أحد حتى يولد له ألف رجل من صلبه . فالخبر الذي ذكرناه عن وهب بن منبه في قصة يأجوج ومأجوج ، يدل على أن الذين قالوا لذي القرنين
إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
إنما أعلموه خوفهم ما يحدث منهم من الإفساد في الأرض ، لا أنهم شكوا منهم فسادا كان منهم فيهم أو في غيرهم ، والأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم سيكون منهم الإفساد في الأرض ، ولا دلالة فيها أنهم قد كان منهم قبل إحداث ذي القرنين السد الذي أحدثه بينهم وبين من دونهم من الناس في الناس غيرهم إفساد . فإذا كان ذلك كذلك بالذي بينا ، فالصحيح من تأويل قوله
إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
إن يأجوج ومأجوج سيفسدون في الأرض . وقوله
فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً
اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة :
فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً
كأنهم نحوا به نحو المصدر من خرج للرأس . وذلك جعله . وقرأته عامة قراء الكوفيين : " فهل نجعل لك خراجا " بالألف ، وكأنهم نحوا به نحو الاسم ، وعنوا به أجرة على بنائك لنا سدا بيننا وبين هؤلاء القوم . وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب قراءة من قرأه : " فهل نجعل لك خراجا " بالألف ، لأن القوم فيما ذكر عنهما ، إنما عرضوا على ذي القرنين أن يعطوه من أموالهم ما يستعين به على بناء السد ، وقد بين ذلك بقوله :
فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً
ولم يعرضوا عليه جزية رؤوسهم . والخراج عند العرب : هو الغلة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال :
ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس " فهل نجعل لك خراجا " قال : أجرا
عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا
حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : " فهل نجعل لك خراجا " قال : أجرا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن قتادة ، قوله : " فهل نجعل لك خراجا " قال : أجرا . وقوله :
عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا
يقول :
قالوا له : هل نجعل لك خراجا حتى أن تجعل بيننا وبين يأجوج ومأجوح حاجزا يحجز بيننا وبينهم ، ويمنعهم من الخروج إلينا . وهو السد . القول في تأويل قوله تعالى :
قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً
يقوله تعالى ذكره : قال ذو القرنين : الذي مكنني في عمل ما سألتموني من السد بينكم وبين هؤلاء القوم ربي ووطأه لي ، وقوانى عليه ، خير من جعلكم ، والأجرة التي تعرضونها علي لبناء ذلك ، وأكثر وأطيب ، ولكن أعينوني منكم بقوة ، أعينوني بفعلة وصناع