تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
حره ، فإذا أدنوه من أفواههم انشوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود . وقوله :
بِئْسَ الشَّرابُ
يقول تعالى ذكره : بئس الشراب ، هذا الماء الذي يغاث به هؤلاء الظالمون في جهنم الذي صفته ما وصف في هذه الآية . وقوله :
وَساءَتْ مُرْتَفَقاً
يقول تعالى ذكره : وساءت هذه النار التي أعتدناها لهؤلاء الظالمين مرتفقا ؛ والمرتفق في كلام العرب : المتكأ ، يقال منه : ارتفقت إذا اتكأت ، كما قال الشاعر :
قالت له وارتفقت ألا فتى * يسوق بالقوم غزالات الضحى
أراد : واتكأت على مرفقها ؛ وقد ارتفق الرجل : إذا بات على مرفقه لا يأتيه نوم ، وهو مرتفق ، كما قال أبو ذؤيب الهذلي :
نام الخلي وبث الليل مرتفقا * كأن عيني فيها الصاب مذبوح
وأما من الرفق فإنه يقال : قد ارتفقت بك مرتفقا ، وكان مجاهد يتأول قوله :
وَساءَتْ مُرْتَفَقاً
يعني المجتمع . ذكر الرواية بذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد
مُرْتَفَقاً
أي مجتمعا . حدثني يعقوب ، قال : ثنا معتمر ، عن ليث ، عن مجاهد
وَساءَتْ مُرْتَفَقاً
قال : مجتمعا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد مثله . ولست أعرف الارتفاق بمعنى الاجتماع في كلام العرب ، وإنما الارتفاق افتعال ، إما من المرفق ، وإما من الرفق . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
يقول تعالى ذكره : إن الذين صدقوا الله ورسوله ، وعملوا بطاعة الله ، وانتهوا إلى أمره ونهيه ، إنا لا نضيع ثواب من أحسن عملا ، فأطاع الله ، واتبع أمره ونهيه ، بل نجازيه بطاعته وعمله الحسن جنات عدن تجري من تحتها الأنهار . فإن قال قائل : وأين خبر " إن " الأولى ؟ قيل : جائز أن يكون خبرها قوله :
إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
فيكون معنى الكلام : إنا لا نضيع أجر من عمل صالحا ، فترك الكلام الأول ، واعتمد على الثاني بنية التكرير ، كما قيل :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ
بمعنى : عن قتال فيه على التكرير ، وكما قال الشاعر :
إن الخليفة إن الله سربله * سربال ملك به ترجى الخواتيم
ويروى : ترخى ؛ وجائز أن يكون :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
جزاء ، فيكون معنى الكلام : إن من عمل صالحا فإنا لا نضيع أجره ، فتضمر الفاء في قوله " إنا " ؛ وجائز أن يكون خبرها : أولئك لهم جنات عدن ، فيكون معنى الكلام : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، أولئك لهم جنات عدن . القول في تأويل قوله تعالى :
أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ
يقول تعالى ذكره : لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات عدن ، يعني بساتين إقامة في الآخرة .
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ
يقول : تجري من دونهم ومن أيديهم الأنهار . وقال جل ثناؤه :
مِنْ تَحْتِهِمُ
ومعناه : من دونهم وبين أيديهم ،
يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ
يقول : يلبسون فيها من الحلي أساور من ذهب ، والأساور : جمع إسوار . وقوله :
وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ
والسندس : جمع واحدها سندسة ، وهي ما رق من الديباج . والإستبرق : ما غلظ منه وثخن ؛ وقيل : إن الإستبرق : هو الحرير ؛ ومنه قول المرقش :
تراهن يلبسن المشاعر مرة * وإستبرق الديباج طورا لباسها
يعني : وغليظ الديباج . وقوله :
مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ
يقول : متكئين في جنات عدن على الأرائك ،
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 159 | محمد بن جرير الطبري