لكم أيها الناس في الأرض سبلا وفجاجا تسلكونها وتسيرون فيها في حوائجكم وطلب معايشكم رحمة بكم ونعمة منه بذلك عليكم ولو عماها عليكم لهلكتم ضلالا وحيرة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
سُبُلًا
أي طرقا . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة :
سُبُلًا
قال : طرقا . وقوله
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
يقول : لكي تهتدوا بهذه السبل التي جعلها لكم في الأرض إلى الأماكن التي تقصدون والمواضع التي تريدون ، فلا تضلوا وتتحيروا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
اختلف أهل التأويل في المعنى بالعلامات ، فقال بعضهم : عني بها معالم الطرق بالنهار . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
يعني بالعلامات : معالم الطرق بالنهار ، وبالنجم هم يهتدون بالليل . وقال آخرون : عني بها النجوم . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا يحيى ، عن سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم :
وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
قال : منها ما يكون علامات ، ومنها ما يهتدون به حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد :
وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
قال : منها ما يكون علامة ، ومنها ما يهتدى به . حدثني المثنى ، قال : أخبرنا إسحاق ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ، مثله . حدثني المثنى ، قال : أخبرنا إسحاق ، قال : ثنا قبيصة ، عن سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، مثله . قال المثنى : قال :
ثنا إسحاق خالف قبيصة وكيعا في الإسناد . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
والعلامات : النجوم ، وإن الله تبارك وتعالى إنما خلق هذه النجوم لثلاث خصلات : جعلها زينة للسماء ، وجعلها يهتدي بها ، وجعلها رجوما للشياطين .
فمن تعاطى فيها غير ذلك ، فقد رأيه وأخطأ حظه وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة :
وَعَلاماتٍ
قال النجوم . وقال آخرون : عني بها الجبال . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الكلبي :
وَعَلاماتٍ
قال : الجبال . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله تعالى ذكره عدد على عباده من نعمه ، إنعامه عليهم بما جعل لهم من العلامات التي يهتدون بها في مسالكهم وطرقهم التي يسيرونها ، ولم يخصص بذلك بعض العلامات دون بعض ، فكل علامة استدل بها الناس على طرقهم وفجاج سبلهم فداخل في قوله :
وَعَلاماتٍ
والطرق المسبولة : الموطوءة ، علامة للناحية المقصودة ، والجبال علامات يهتدي بهن إلى قصد السبيل ، وكذلك النجوم بالليل . غير أن الذي هو أولى بتأويل الآية أن تكون العلامات من أدلة النهار ، إذ كان الله قد فصل منها أدلة الليل بقوله :
وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
وإذا كان ذلك أشبه وأولى بتأويل الآية ، فالواجب أن يكون القول في ذلك ما قاله ابن عباس في الخبر الذي رويناه عن عطية عنه ، وهو أن العلامات معالم الطرق وأماراتها التي يهتدى بها إلى المستقيم منها نهارا ، وأن يكون النجم الذي يهتدى به ليلا هو الجدي