تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
قوم إلى قوم . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . . .
ما كانُوا يَعْمَلُونَ
يقول تعالى ذكره : ولا تنقضوا عهودكم أيها الناس وعقودكم التي عاقدتموها من عاقدتم مؤكديها بأيمانكم ، تطلبون بنقضكم ذلك عرضا من الدنيا قليلا ؛ ولكن أوفوا بعهد الله الذي أمركم بالوفاء به يثبكم الله على الوفاء به ، فإن ما عند الله من الثواب لكم على الوفاء بذلك هو خير لكم إن كنتم تعلمون فضل ما بين العوضين اللذين أحدهما الثمن القليل الذي تشترون بنقض عهد الله في الدنيا ؛ والآخر الثواب الجزيل في الآخرة على الوفاء به . ثم بين تعالى ذكره فرق ما بين العوضين وفضل ما بين الثوابين ، فقال : ما عندكم أيها الناس مما تتملكونه في الدنيا وإن كثر فنافد فان ، وما عند الله لمن أوفى بعهده وأطاعه من الخيرات باق غير فان ، فلما عنده فاعملوا وعلى الباقي الذي لا يفنى فاحرصوا . وقوله :
وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
يقول تعالى ذكره : وليثيبن الله الذين صبروا على طاعتهم إياه في السراء والضراء ، ثوابهم يوم القيامة على صبرهم عليها ومسارعتهم في رضاه ، بأحسن ما كانوا يعملون من الأعمال دون أسوئها ، وليغفرن الله لهم سيئها بفضله . القول في تأويل قوله تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ
يقول تعالى ذكره : من عمل بطاعة الله ، وأوفى بعهود الله إذا عاهد من ذكر أو أنثى من بني آدم
وَهُوَ مُؤْمِنٌ
يقول : وهو مصدق بثواب الله الذي وعد أهل طاعته على الطاعة ، وبوعيد أهل معصيته على المعصية ؛
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
. واختلف أهل التأويل في الذي عنى الله بالحياة الطيبة التي وعد هؤلاء القوم أن يحييهموها ، فقال بعضهم : عنى أنه يحييهم في الدنيا ما عاشوا فيها بالرزق الحلال . ذكر من قال ذلك : حدثني أبو السائب ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن إسماعيل بن سميع ، عن أبي مالك ، عن ابن عباس :
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
قال : الحياة الطيبة : الرزق الحلال في الدنيا . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن إسماعيل بن سميع ، عن أبي مالك وأبي الربيع ، عن ابن عباس ، بنحوه . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن إسماعيل بن سميع ، عن أبي الربيع ، عن ابن عباس ، في قوله :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
قال : الرزق الحسن في الدنيا . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن إسماعيل بن سميع ، عن أبي الربيع ، عن ابن عباس :
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
قال : الرزق الطيب في الدنيا . حدثني المثنى ، قال : ثنا الفضل بن دكين ، قال : ثنا سفيان ، عن إسماعيل بن سميع ، عن أبي الربيع ، عن ابن عباس :
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
قال : الرزق الطيب في الدنيا . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
يعني في الدنيا . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن عيينة ، عن مطرف ، عن الضحاك :
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
قال : الرزق الطيب الحلال . حدثني عبد الأعلى بن واصل ، قال : ثنا عون بن سلام القرشي ، قال : أخبرنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، في قوله :
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
قال : يأكل حلالا ويلبس حلالا . وقال آخرون :
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
بأن نرزقه القناعة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ،
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 114 | محمد بن جرير الطبري