تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
أربى : أكثر من أجل أن كانوا هؤلاء أكثر من أولئك نقضتم العهد فيما بينكم وبين هؤلاء ، فكان هذا في هذا ، وكان الأمر الآخر في الذي يعاهده فينزله من حصنه ثم ينكث عليه ، الآية الأولى في هؤلاء القوم وهي مبدؤه ، والأخرى في هذا . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول ، في قوله :
أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ
يقول : أكثر ، يقول : فعليكم بوفاء العهد . وقوله :
إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ
يقول تعالى ذكره : إنما يختبركم الله بأمره إياكم بالوفاء بعهد الله إذا عاهدتم ، ليتبين المطيع منكم المنتهي إلى أمره ونهيه من العاصي المخالف أمره ونهيه .
وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
يقول تعالى ذكره : وليبينن لكم أيها الناس ربكم يوم القيامة إذا وردتم عليه بمجازاة كل فريق منكم على عمله في الدنيا ، المحسن منكم بإحسانه والمسئ بإساءته ،
ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
والذي كانوا فيه يختلفون في الدنيا أن المؤمن بالله كان يقر بوحدانية الله ونبوة نبيه ، ويصدق بما ابتعث به أنبياءه ، وكان يكذب بذلك كله الكافر ؛ فذلك كان اختلافهم في الدنيا الذي وعد الله تعالى ذكره عباده أن يبينه لهم عند ورودهم عليه بما وصفنا من البيان . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
يقول تعالى ذكره : ولو شاء ربكم أيها الناس للطف بكم بتوفيق من عنده ، فصرتم جميعا جماعة واحدة وأهل ملة واحدة لا تختلفون ولا تفترقون ؛ ولكنه تعالى ذكره خالف بينكم فجعلكم أهل ملل شتى ، بأن وفق هؤلاء للإيمان به والعمل بطاعته فكانوا مؤمنين ، وخذل هؤلاء فحرمهم توفيقه فكانوا كافرين ، وليسألنكم الله جميعا يوم القيامة عما كنتم تعملون في الدنيا فيما أمركم ونهاكم ، ثم ليجازينكم جزاء المطيع منكم بطاعته والعاصي له بمعصيته . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا
يقول تعالى ذكره : ولا تتخذوا أيمانكم بينكم دخلا وخديعة بينكم ، تغرون بها الناس
فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها
يقول : فتهلكوا بعد أن كنتم من الهلاك آمنين . وإنما هذا مثل لكل مبتلى بعد عافية ، أو ساقط في ورطة بعد سلامة ، وما أشبه ذلك : " زلت قدمه " ، كما قال الشاعر :
سيمنع منك السبق إن كنت سابقا * وتلطع إن زلت بك النعلان
وقوله :
وَتَذُوقُوا السُّوءَ
يقول : وتذوقوا أنتم السوء ؛ وذلك السوء هو عذاب الله الذي يعذب به أهل معاصيه في الدنيا ، وذلك بعض ما عذب به أهل الكفر .
بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
يقول : بما فتنتم من أراد الإيمان بالله ورسوله عن الإيمان .
وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
في الآخرة ، وذلك نار جهنم . وهذه الآية تدل على أن تأويل بريدة الذي ذكرنا عنه في قوله :
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ
والآيات التي بعدها ، أنه عني بذلك : الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام ، عن مفارقة الإسلام لقلة أهله ، وكثرة أهل الشرك هو الصواب ، دون الذي قال مجاهد أنهم عنوا به ، لأنه ليس في انتقال قوم تحالفوا عن حلفائهم إلى آخرين غيرهم صد عن سبيل الله ولا ضلال عن الهدى ، وقد وصف تعالى ذكره في هذه الآية فاعلي ذلك أنهم باتخاذهم الأيمان دخلا بينهم ونقضهم الأيمان بعد توكيدها ، صادون عن سبيل الله ، وأنهم أهل ضلال في التي قبلها ، وهذه صفة أهل الكفر بالله لا صفة أهل النقلة بالحلف عن
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 113 | محمد بن جرير الطبري