تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
مثلك أنك كذا وأنك كذا . وقوله :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَنَّا
من وجه :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها
ومن قال :
أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ
أظهر الاسم ، لأنه مردود على الطعام بالخفض ، ومستأنف ، أي : طعامه أنا صببنا ثم فعلنا . وقال بعض نحويى الكوفيين : معنى قوله :
مَثَلُ الْجَنَّةِ
: صفات الجنة . وقال بعض نحويي البصريين معنى ذلك : صفة الجنة ، قال : ومنه قول الله تعالى
وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى
معناه : ولله الصفة العليا . قال : فمعنى الكلام في قوله :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
أو فيها أنهار ، كأنه قال : وصف الجنة صفة تجري من تحتها الأنهار ، أو صفة فيها أنهار ؛ والله أعلم . قال : ووجه آخر كأنه إذا قيل : مثل الجنة ، قيل : الجنة التي وعد المتقون . قال . وكذلك قوله :
وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
كأنه قال : بالله الرحمن الرحيم ، والله أعلم . قال : وقوله :
عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ
في ذات الله ، كأنه عندنا قيل : في الله . قال : وكذلك قوله :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
إنما المعنى : ليس كشيء ، وليس مثله شيء ، لأنه لا مثل له . قال : وليس هذا كقولك للرجل : ليس كمثلك أحد ، لأنه يجوز أن يكون له مثل ، والله لا يجوز ذلك عليه . قال : ومثله قول لبيد :
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما
قال : وفسر لنا أنه أراد : السلام عليكما ؛ قال أوس بن حجر :
وقتلي كرام كمثل الجذوع * تغشاهم سبل منهمر
قال : والمعنى عندنا : كالجذوع ، لأنه لم يزد أن يجعل للجذوع مثلا ثم يشبه القتلى به . قال : ومثله قول أمية :
زحل وثور تحت رجل يمينه * والنسر للأخرى وليث مرصد
قال : فقال تحت رجل يمينه ، كأنه قال : تحت رجله أو تحت رجله اليمنى ؛ قال : وقول لبيد :
أضل صواره وتضيفته * نطوف أمرها بيد الشمال
كأنه قال : أمرها بالشمال وإلى الشمال ؛ وقول لبيد أيضا :
حتى إذا ألقت يدا في كافر
فكأنه قال : حتى وقعت في كافر . وقال آخر منهم : هو المكفوف عن خبره ، قال : والعرب تفعل ذلك . قال : وله معنى آخر :
لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى
مثل الجنة موصول صفة لها على الكلام الأول . قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب : أن يقال ذكر المثل ، فقال مثل الجنة ، والمراد الجنة ، ثم وصفت الجنة بصفتها ، وذلك أن مثلها إنما هو صفتها وليست صفتها شيئا غيرها . وإذا كان ذلك كذلك ، ثم ذكر المثل ، فقيل : مثل الجنة ، ومثلها صفتها وصفة الجنة ، فكان وصفها كوصف المثل ، وكان كأن الكلام جرى بذكر الجنة ، فقيل : الجنة تجري من تحتها الأنهار ، كما قال الشاعر :
أرى مر السنين أخذن مني * كما أخذ السرار من الهلال
فذكر المر ، ورجع في الخبر إلى السنين . وقوله :
أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها
يعني : ما يؤكل فيها . يقول : هو دائم لأهلها ، لا ينقطع عنهم ، ولا يزول ولا يبيد ، ولكنه ثابت إلى غير نهاية .
وَظِلُّها
: يقول : وظلها أيضا دائم ، لأنه لا شمس فيها .
تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا
يقول : هذه الجنة التي وصف جل ثناؤه عاقبة الذين اتقوا الله ،
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 109 | محمد بن جرير الطبري