وشذوذ ما عداها . وحسب الأَخرى دلالة على فسادها ، خروج قارئها عما عليه قراء أهل الأَمصار والإِسلام . فإن قال لنا قائل : فإن كان الصواب في قراءة ذلك ما قلت ، فما وجه تذكير المظلم وتوحيده ، وهو من نعت القطع والقطع جمع لمؤنث ؟ قيل في تذكيره ذلك وجهان : أحدهما : أن يكون قطعا من الليل ، وإن يكون من نعت الليل ، فلما كان نكرة والليل معرفة نصب على القطع . فيكون معنى الكلام حينئذ : كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل المظلم ، ثم حذفت الأَلف واللام من " المظلم " ، فلما صار نكرة وهو من نعت الليل نصب على القطع ؛ وتسمي أهل البصرة ما كان كذلك حالا ، والكوفيون قطعا . والوجه الآخر على نحو قول الشاعر :
لو أن مدحة حي منشر أحدا
والوجه الأَول أحسن وجهيه . وقوله :
أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ
يقول : هؤلاء الذين وصفت لك صفتهم أهل النار الذين هم أهلها ،
هُمْ فِيها خالِدُونَ
يقول : هم فيها ماكثون . القول في تأويل قوله تعالى :
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ
يقول تعالى ذكره : ويوم نجمع الخلق لموقف الحساب جميعا ، ثم نقول حينئذ للذين أشركوا بالله الآلهة والأَنداد : مكانكم ؛ أي امكثوا مكانكم ، وقفوا في موضعكم أنتم أيها المشركون ، وشركاؤكم الذين كنتم تعبدونهم من دون الله من الآلهة والأَوثان .
فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ
يقول : ففرقنا بين المشركين بالله وما أشركوه به وبين غيره وأبنته منه . وقال : " فزيلنا " إرادة تكثير الفعل وتكريره . ولم يقل : " فزلنا بينهم " . وقد ذكر عن بعضهم أنه كان يقرؤه : " فزايلنا بينهم " فزيلنا ، كما قيل :
وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ
و " لا تصاعر خدك " ، والعرب تفعل ذلك كثيرا في فعلت ، يلحقون فيها أحيانا ألفا مكان التشديد ، فيقولون : فاعلت إذا كان الفعل لواحد . وأما إذا كان لاثنين فلا تكاد تقول إلا فاعلت .
وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ
وذلك حين
تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ
لما قيل للمشركين اتبعوا ما كنتم تعبدون من دون الله ، ونصبت لهم آلهتهم ، قالوا : كنا نعبد هؤلاء ، فقالت الآلهة لهم : ما كنتم إيانا تعبدون . كما : حدثت عن مسلم بن خالد ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : يكون يوم القيامة ساعة فيها شدة تنصب لهم الآلهة التي كانوا يعبدون ، فيقال : هؤلاء الذين كنتم تعبدون من دون الله ، فتقول الآلهة : والله ما كنا نسمع ولانبصر ولا نعقل ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا فيقولون : والله لإِياكم كنا نعبد فتقول لهم الآلهة :
فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ
قال : فرقنا بينهم .
وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ
قالوا : بلى قد كنا نعبدكم ، في قالوا
فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ
ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نتكلم . فقال الله :
هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ
الآية . وروي عن مجاهد ، أنه كان يتأول الحشر في هذا الموضع : الموت . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن الأَعمش ، قال : سمعتهم يذكرون عن مجاهد ، في قوله :
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً
قال : الحشر : الموت . والذي قلنا في ذلك أولى بتأويله ؛ لأَن الله تعالى ذكره أخبر أنه يقول يومئذ للذين أشركوا ما ذكر أنه يقول لهم ، ومعلوم أن ذلك غير كائن في القبر ، وأنه إنما هو خبر عما يقال لهم ويقولون في الموقف بعد البعث . القول في تأويل قوله تعالى :
فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ