تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
لهم . وكانوا وعدو أنفسهم أن ينفقوا ويجاهدوا ويتصدقوا . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : أخبرنا عبيد بن سلمان ، قال : سمعت الضحاك ، قال : لما أطلق نبي الله صلى الله عليه وسلم أبا لبابة وأصحابه ، أتوا نبي الله بأموالهم ، فقالوا : يا نبي الله خذ من أموالنا فتصدق به عنا ، وطهرنا وصل علينا يقولون : استغفر لنا . فقال نبي الله : " لا آخذ من أموالكم شيئا حتى أومر فيها " . فأنزل الله عز وجل :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ
من ذنوبهم التي أصابوا .
وَصَلِّ عَلَيْهِمْ
يقول : استغفر لهم . ففعل نبي الله عليه الصلاة والسلام ما أمره الله به . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس ، قوله :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً
أبو لبابة وأصحابه .
وَصَلِّ عَلَيْهِمْ
يقول : استغفر لهم لذنوبهم التي كانوا أصابوا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ
قال : هؤلاء ناس من المنافقين ممن كان تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، اعترفوا بالنفاق وقالوا : يا رسول الله قد ارتبنا ونافقنا وشككنا ، ولكن توبة جديدة وصدقة نخرجها من أموالنا فقال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها
بعد ما قال :
وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ
. واختلف أهل العربية في وجه رفع " تزكيهم " ، فقال بعض نحويي البصرة : رفع " تزكيهم بها " في الابتداء وإن شئت جعلته من صفة الصدقة ، ثم جئت بها توكيدا ، وكذلك " تطهرهم " . وقال بعض نحويي الكوفة : إن كان قوله :
تُطَهِّرُهُمْ
للنبي عليه الصلاة والسلام فالاختيار أن تجزم بأنه لم يعد على الصدقة عائد ،
وَتُزَكِّيهِمْ
مستأنف ، وإن كانت الصدقة تطهرهم وأنت تزكيهم بها جاز أن تجزم الفعلين وترفعهما . قال أبو جعفر : والصواب في ذلك من القول أن قوله :
تُطَهِّرُهُمْ
من صلة " الصدقة " ، لأن القراء مجمعة على رفعها ، وذلك دليل على أنه من صلة الصدقة . وأما قوله :
وَتُزَكِّيهِمْ
فخبر مستأنف ، بمعنى : وأنت تزكيهم بها ، فلذلك رفع . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله :
إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ
فقال بعضهم : رحمة لهم . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس :
إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ
يقول : رحمة لهم . وقال آخرون : بل معناه : إن صلاتك وقار لهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ
أي وقار لهم . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته قراء المدينة : " إن صلواتك سكن لهم " بمعنى دعواتك . وقرأ قراء العراق وبعض المكيين :
إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ
بمعنى إن دعاءك . وكأن الذين قرءوا ذلك على التوحيد رأوا أن قراءته بالتوحيد أصح ؛ لأن في التوحيد من معنى الجمع وكثر العدد ما ليس في قوله : " إن صلواتك سكن لهم " إذ كانت الصلوات هي جمع لما بين الثلاث إلى العشر من العدد دون ما هو أكثر من ذلك ، والذي قالوا من ذلك عندنا كما قالوا . وبالتوحيد عندنا القراءة لا لعلة أن ذلك في العدد أكثر من الصلوات ، ولكن المقصود منه الخبر عن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وصلاته أنه سكن لهؤلاء القوم لا الخبر عن العدد ، وإذا كان ذلك كذلك كان التوحيد في الصلاة أولى . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
. وهذا خبر من الله تعالى ذكره أخبر المؤمنين به أن قبول توبة من تاب من
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 14 | محمد بن جرير الطبري