تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
واستشهد على صحة قوله ذلك بقوله :
حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ
. القول في تأويل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ . . .
مِنْكُمْ مِائَةٌ . . .
أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً
. . . وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ
الجهاد حث متبعيك ومصدقيك على ما جئتهم به من الحق على قتال من أدبر وتولى عن الحق من المشركين .
إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ
رجلا
صابِرُونَ
عند لقاء العدو ، يحتسبون أنفسهم ويثبتون لعدوهم ؛
يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
من عدوهم ويقهروهم .
وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ
عند ذلك
يَغْلِبُوا
منهم
أَلْفاً
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ
يقول : من أجل أن المشركين قوم يقاتلون على غير رجاء ثواب ولا لطلب أجر ولا احتساب ؛ لأنهم لم يفقهوا أن الله موجب لمن قاتل احتسابا وطلب موعود الله في المعاد ما وعد المجاهدين في سبيله ، فهم لا يثبتون إذا صدقوا في اللقاء خشية أن يقتلوا فتذهب دنياهم . ثم خفف تعالى ذكره عن المؤمنين إذ علم ضعفهم فقال لهم :
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً
يعني أن في الواحد منهم عن لقاء العشرة من عدوهم ضعفا ،
فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ
عند لقائهم للثبات لهم ،
يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
منهم ،
وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ
منهم
بِإِذْنِ اللَّهِ
يعني بتخلية الله إياهم لغلبتهم ومعونته إياهم .
وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
لعدوهم وعدو الله ، احتسابا في صبره وطلبا لجزيل الثواب من ربه ، بالعون منه له والنصر عليه . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا محمد بن محبب ، قال : ثنا سفيان ، عن ليث ، عن عطاء في قوله :
إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
الجهاد قال : كان الواحد لعشرة ، ثم جعل الواحد باثنين ؛ لا ينبغي له أن يفر منهما . حدثنا سعيد بن يحيى ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس ، قال : جعل على المسلمين على الرجل عشرة من الكفار ، فقال :
إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
الجهاد فخفف ذلك عنهم ، فجعل على الرجل رجلان . قال ابن عباس : فما أحب أن يعلم الناس تخفيف ذلك عنهم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : قال محمد بن إسحاق ، ثني عبد الله بن أبي نجيح المكي ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن عبد الله بن عباس ، قال : لما نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين وأعظموا أن يقاتل عشرون مئتين ومائة ألفا ، فخفف الله عنهم ، فنسخها بالآية الأخرى فقال :
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ
الجهاد قال : وكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم ينبغ لهم أن يفروا منهم ، وإن كانوا دون ذلك لم يجب عليهم أن يقاتلوا ، وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
قال : كان لكل رجل من المسلمين عشرة لا ينبغي له أن يفر منهم ، فكانوا كذلك حتى أنزل الله :
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
الجهاد فعبأ لكل رجل من المسلمين رجلين من المشركين ، فنسخ الأمر الأول . وقال مرة أخرى في قوله :
إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
الجهاد فأمر الله الرجل