تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
فَاجْنَحْ لَها
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وإما تخافن من قوم خيانة وغدرا ، فانبذ إليهم على سواء وآذنهم بالحرب .
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
وإن مالوا إلى مسالمتك ومتاركتك الحرب ، إما بالدخول في الإسلام ، وإما بإعطاء الجزية ، وإما بموادعة الهدنة والموادعة ، ونحو ذلك من أسباب السلم والصلع ؛
فَاجْنَحْ لَها
يقول : فمل إليها ، وابذل لهم ما مالوا إليه من ذلك وسألوكه . يقال منه : جنح الرجل إلى كذا يجنح إليه جنوحا ، وهي لتميم وقيس فيما ذكر عنها ، تقول : يجنح بضم النون . وآخرون : يقولون : يجنح بكسر النون ، وذلك إذا مال ، ومنه قول نابغة بني ذبيان :
جوانح قد أيقن أن قبيله * إذا ما التقى الجمعان أول غالب
جوانح : موائل . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ
قال : للصلح الهدنة والموادعة . ونسخها قوله :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
. حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ
إلى الصلح
فَاجْنَحْ لَها
قال : وكانت هذه قبل براءة الهدنة والموادعة ، كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يوادع القوم إلى أجل ، فإما أن يسلموا وإما أن يقاتلوا ، ثم نسخ ذلك بعد في براءة فقال :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
وقال :
قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً
ونبذ إلى كل ذي عهد عهده ، وأمره بقتالهم حتى يقولوا لا إله إلا الله ويسلموا ، وأن لا يقبل منهم إلا ذلك ، وكل عهد كان في هذه السورة وفي غيرها ، وكل صلح يصالح به المسلمون المشركين يتوادعون به فإن براءة جاءت . تنسخ ذلك ، فأمر بقتالهم على كل حال حتى يقولوا : لا إله إلا الله . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، عن الحسن ، عن يزيد ، عن عكرمة والحسن البصري ، قالا :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
نسختها الآية التي في براءة قوله الهدنة والموادعة :
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ
إلى قوله :
وَهُمْ صاغِرُونَ
. حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
الهدنة والموادعة يقول : وإن أرادوا الصلح فأرده . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ،
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
أي إن دعوك إلى السلم إلى الإسلام ، فصالحهم عليه الهدنة والموادعة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
قال : فصالحهم الهدنة والموادعة . قال : وهذا قد نسخه الجهاد . فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله من أن هذه الآية منسوخة ، فقول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل . الهدنة والموادعة وقد دللنا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره على أن الناسخ لا يكون إلا ما نفى حكم المنسوخ من كل وجه ، فأما ما كان بخلاف ذلك فغير كائن ناسخا . وقول الله في براءة :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
غير ناف حكمه حكم قوله .
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
لأن قوله :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ
إنما عني به بنو قريظة ، وكانوا يهودا أهل كتاب ، وقد أذن الله جل ثناؤه للمؤمنين بصلح أهل الكتاب ومتاركتهم الحرب على أخذ الجزية منهم . وأما قوله :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
فإنما عنى به مشركو العرب من عبدة الأوثان الذين لا يجوز قبول الجزية منهم ، فليس في إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى ، بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ
قال : قريظة . وأما قوله :
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
يقول : فوض إلى الله يا محمد أمرك ، واستكفه واثقا به أنه يكفيك . كالذي : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :