عليه وسلم . فلما أتوه تابوا ثم رجعوا إلى المدينة ، فأنزل الله :
فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ
إلى قوله :
وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هلك الذين تخلفوا " فأنزل الله عذرهم لما تابوا ، فقال :
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ
إلى قوله :
إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
وقال :
إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ
إلى قوله :
فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ
أي مع النساء . ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلا من المنافقين ، فقيل فيهم ما قيل . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس :
فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ
والخالفون : الرجال . قال أبو جعفر : والصواب من التأويل في قوله
الْخالِفِينَ
ما قال ابن عباس . فأما ما قال قتادة من أن ذلك النساء ، فقول لا معنى له ؛ لأن العرب لا تجمع النساء إذا لم يكن معهن رجال بالياء والنون ، ولا بالواو والنون . ولو كان معنيا بذلك النساء ، لقيل : " فاقعدوا مع الخوالف " ، أو " مع الخالفات " ، ولكن معناه ما قلنا من أنه أريد به : فاقعدوا مع مرضى الرجال وأهل زمانتهم والضعفاء منهم والنساء . وإذا اجتمع الرجال والنساء الخبر ، فإن العرب تغلب الذكور على الإناث ، ولذلك قيل :
فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ
والمعنى ما ذكرنا . ولو وجه معنى ذلك إلى : فاقعدوا مع أهل الفساد ، من قولهم : خلف الرجال عن أهله يخلف خلوفا ، إذا فسد ، ومن قولهم : هو خلف سوء ؛ كان مذهبا . وأصله إذا أريد به هذا المعنى قولهم خلف اللبن يخلف خلوفا إذا خبث من طول وضعه في السقاء حتى يفسد ، ومن قولهم : خلف فم الصائم : إذا تغيرت ريحه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ
يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ولا تصل يا محمد على أحد مات من هؤلاء المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج معك أبدا .
وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ
يقول : ولا تتول دفنه وتقبره ؛ من قول القاتل :
قام فلان بأمر فلان : إذا كفاه أمره .
إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ
يقول إنهم جحدوا توحيد الله ورسالة رسوله ، وماتوا وهم خارجون من الإسلام مفارقون أمر الله ونهيه . وقد ذكر أن هذه الآية نزلت حين صلى النبي صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن المثني وسفيان بن وكيع ، وسوار بن عبد الله ، قالوا : ثنا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله قال : أخبرني نافع ، عن ابن عمر ، قال : جاء ابن عبد الله ابن أبي ابن سلول إلى رسول الله حين مات أبوه ، فقال : أعطني قميصك رسول الله حتى أكفنه فيه ، وصل عليه واستغفر له فأعطاه قميصه رسول الله ، وقال : " إذا فرغتم فآذنوني " فلما أراد أن يصلي عليه ، جذبه عمر وقال : أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين ؟ فقال : " بل خيرني وقال
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
قال : فصلي عليه . قال : فأنزل الله تبارك وتعالى :
وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ
قال : فترك الصلاة عليهم . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن عبيد الله ، عن ابن عمر ، قال : لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول ، جاء ابنه ابن عبد الله بن أبي عبد الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فسأله أن يعطيه قميصه النبي صلى الله عليه وسلم يكفن فيه أباه ؛ فأعطاه . ثم سأله أن يصلي عليه . فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فأخذ بثوب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه ؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إنما خيرني ربي ، فقال :
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ
وسأزيد على سبعين " . فقال : إنه منافق فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله :
وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ
حدثنا سوار بن عبد الله العنبري ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، عن مجالد ، قال : ثني عامر ، عن جابر بن عبد الله ، أن رأس المنافقين مات بالمدينة ، فأوصى أن يصلي عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأن يكفن في قميصه النبي صلى الله عليه وسلم . فكفنه في قميصه النبي صلى الله عليه وسلم ، وصلى عليه وقام على قبره ، فأنزل الله تبارك وتعالى :
وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ