أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ
يقول تعالى ذكره : فرح الذين خلفهم الله عن الغزو مع رسوله والمؤمنين به وجهاد أعدائه بمقعدهم
خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ
يقول : بجلوسهم في منازلهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول :
على الخلاف لرسول الله في جلوسه ومقعده . وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بالنفر إلى جهاد أعداء الله ، فخالفوا أمره وجلسوا في منازلهم . وقوله :
خِلافَ
مصدر من قول القائل : خالف فلان فلانا فهو يخالفه خلافا فلذلك جاء مصدره على تقدير فعال ، كما يقال : قاتله فهو يقاتله قتالا ، ولو كان مصدرا من خلفه ، لكانت القراءة : " بمقعدهم خلف رسول الله " ، لأن مصدر خلفه خلف ، لا خلاف ، ولكنه على ما بينت من أنه مصدر خالف ، فقرئ :
خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ
وهي القراءة التي عليها قراءة الأمصار ، وهي الصواب عندنا . وقد تأول بعضهم ذلك ، بمعنى : بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستشهد على ذلك بقول الشاعر :
عقب الربيع خلافهم فكأنما * بسط الشواطب بينهن حصيرا
وذلك قريب لمعنى ما قلنا ، لأنهم قعدوا بعده على الخلاف له . وقوله :
وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
يقول تعالى ذكره : وكره هؤلاء المخلفون أن يغزوا الكفار بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ؛ يعني : في دين الله الذي شرعه لعباده لينصروه ، ميلا إلى الدعة والخفض ، وإيثارا للراحة على التعب والمشقة ، وشحا بالمال أن ينفقوه في طاعة الله .
وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم استنفرهم إلى هذه الغزوة ، وهي غزوة تبوك في حر شديد ، فقال المنافقون بعضهم لبعض :
لا تنفروا في الحر فقال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهم يا محمد نار جهنم التي أعدها الله لمن خالف أمره وعصى رسوله ، أشد حرا من هذا الحر الذي تتواصون بينكم أن لا تنفروا فيه .
يقول : الذي هو أشد حرا أحرى أن يحذر ويتقى من الذي هو أقلهما أذى .
لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ
يقول : لو كان هؤلاء المنافقون يفقهون عن الله وعظه ويتدبرون آي كتابه ، ولكنهم لا يفقهون عن الله ، فهم يحذرون من الحر أقله مكروها وأخفه أذى ، ويوافقون أشده مكروها وأعظمه على من يصلاه بلاء .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ
إلى قوله :
يَفْقَهُونَ
وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا معه ، وذلك في الصيف ، فقال رجال : يا رسول الله ، الحر شديد ولا نستطيع الخروج ، فلا تنفر في الحر فقال الله :
قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ
فأمره الله بالخروج . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله :
بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ
قال : من غزوة تبوك . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا أبو معشر ، عن محمد بن كعب القرظي وغيره ، قالوا : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد إلى تبوك ، فقال رجل من بني سلمة : لا تنفروا في الحر فأنزل الله :
قُلْ نارُ جَهَنَّمَ
الآية . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ذكر قول بعضهم لبعض ، حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاد ، وأجمع السير إلى تبوك على شدة الحر وجدب البلاد ، يقول الله جل ثناؤه :
وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا
. القول في تأويل قوله تعالى :
فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
يقول تعالى ذكره : فرح هؤلاء المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله ، فليضحكوا فرحين قليلا في هذه الدنيا الفانية بمقعدهم خلاف رسول الله ولهوهم عن طاعة ربهم ، فإنهم سيبكون طويلا في جهنم مكان ضحكهم القليل