فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ
يقول : في شكهم متحيرون ، وفي ظلمة الحيرة مترددون ، لا يعرفون حقا من باطل ، فيعملون على بصيرة . وهذه صفة المنافقين . وكان جماعة من أهل العلم يرون أن هاتين الآيتين منسوختان بالآية التي ذكرت في سورة النور . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، عن الحسين ، عن يزيد ، عن عكرمة والحسن البصري ، قالا : قوله :
لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
إلى قوله :
فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ
نسختهما الآية التي في النور :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ
إلى :
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
وقد بينا الناسخ والمنسوخ بما أغنى عن إعادته هاهنا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ . . .
مَعَ الْقاعِدِينَ
يقول تعالى ذكره : ولو أراد هؤلاء المستأذنوك يا محمد في ترك الخروج معك لجهاد عدوك الخروج معك .
لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً
يقول : لأعدوا للخروج عدة ، ولتأهبوا للسفر والعدو أهبتهما .
وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ
يعني : خروجهم لذلك .
فَثَبَّطَهُمْ
يقول : فثقل عليهم الخروج حتى استخفوا القعود في منازلهم خلافك ، واستثقلوا السفر والخروج معك ، فتركوا لذلك الخروج .
وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ
يعني : اقعدوا مع المرضى والضعفاء الذين لا يجدون ما ينفقون ومع النساء والصبيان ، واتركوا الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجاهدين في سبيل الله . وكان تثبيط الله إياهم عن الخروج مع رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، لعلمه بنفاقهم ، وغشهم للإسلام وأهله ، وأنهم لو خرجوا معهم ضروهم ولم ينفعوا . وذكر أن الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود كانوا عبد الله بن أبي ابن سلول ، والجد بن قيس ، ومن كانا على مثل الذي كانا عليه . كذلك :
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : كان الذين استأذنوه فيما بلغني من ذوي الشرف منهم عبد الله بن أبي ابن سلول ، والجد بن قيس ، وكانوا أشرافا في قومهم ، فثبطهم الله لعلمه بهم أن يخرجوا معهم فيفسدوا عليه جنده . القول في تأويل قوله تعالى :
لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا
يقول تعالى ذكره : لو خرج أيها المؤمنون فيكم هؤلاء المنافقون ،
ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا
يقول : لم يزيدوكم بخروجهم فيكم إلا فسادا وضرا ؛ ولذلك ثبطتهم عن الخروج معكم . وقد بينا معنى الخبال بشواهده فيما مضى قبل .
وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ
يقول : ولأسرعوا بركائبهم السير بينكم . وأصله من إيضاع الخيل والركاب ، وهو الإسراع بها في السير ، يقال للناقة إذا أسرعت السير : وضعت الناقة تضع وضعا وموضوعا ، وأوضعها صاحبها : إذا جد بها وأسرع يوضعها إيضاعا ؛ ومنه قول الراجز :
يا ليتني فيها جذع * أخب فيها وأضع
وأما أصل الخلال : فهو من الخلل : وهي الفرج تكون بين القوم في الصفوف وغيرها ؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : " تراصوا في الصفوف لا يتخللكم أولاد الحذف " . وأما قوله :
يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ
فإن معنى يبغونكم الفتنة : يطلبون لكم ما تفتنون به عن مخرجكم في مغزاكم ، بتثبيطهم إياكم عنه ، يقال منه : بغيته الشر ، وبغيته الخير أبغيه بغاء : إذا التمسته له ، بمعنى : بغيت له ، وكذلك عكمتك وحلبتك ، بمعنى : حلبت لك وعكمت لك ، وإذا أرادوا أعنتك على التماسه وطلبه ، قالوا : أبغيتك كذا وأحلبتك وأعكمتك : أي أعنتك عليه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال