به الرفق والدعة وخفة المئونة فتحت الهاء ، فقالوا : هو قليل هون المئونة ؛ ومنه قول الله :
الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً
يعني : بالرفق والسكينة والوقار ؛ ومنه قول المثني ابن جندل الطهوي :
ونقض أيام نقضن أسره * هونا وألقى كل شيخ فخره
ومنه قول الآخر :
هونكما لا يرد الدهر ما فاتا * لا تهلكا أسفا في إثر من ماتا
يريد : رودا . وقد حكي فتح الهاء في ذلك بمعنى الهوان واستشهدوا على ذلك ببيت عامر بن جوين :
نهين النفوس وهون النفوس * عند الكريهة أعلى لها
والمعروف من كلامهم ضم الهاء منه إذا كان بمعنى الهوان والذل ، كما قال ذو الإصبع العدواني :
اذهب إليك فما أمي براعية * ترعى المخاض ولا أغضي على الهون
يعني على الهوان . وإذا كان بمعنى الرفق ففتحها . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ
وهذا خبر من الله جل ثناؤه عما هو قائل يوم القيامة لهؤلاء العادلين به الآلهة والأنداد ، يخبر عباده أنه يقول لهم عند ورودهم عليه :
لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى
ويعني بقوله : فرادى " : وحدانا لا مال معهم ولا أثاث ولا رفيق ولا شيء مما كان الله خولهم في الدنيا .
كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
عراة غلفا غرلا حفاة كما ولدتهم أمهاتهم ، وكما خلقهم جل ثناؤه في بطون أمهاتهم ، لا شيء عليهم ولا معهم مما كانوا يتباهون به في الدنيا . وفرادى : جمع ، يقال لواحدها : فرد ، كما قال نابغة بني ذبيان :
من وحش وجرة موشي أكارعه * طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد
وفرد وفريد ، كما يقال : وحد ووحد ووحيد في واحد " الأوحاد " ، وقد يجمع الفرد الفراد ، كما يجمع الوحد الوحاد ، ومنه قول الشاعر :
ترى النعرات الزرق فوق لبانه * فراد ومثنى أصعقتها صواهله
وكان يونس الجرمي فيما ذكر عنه يقول : فراد : جمع فرد ، كما قيل : توءم وتؤام للجميع ، ومنه الفرادى والردافى والغواني . ويقال : رجل فرد ، وامرأة فرد ، إذا لم يكن لها أخ ، وقد فرد الرجل فهو يفرد فرودا ، يراد به تفرد ، فهو فارد . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، قال : أخبرني عمرو أن ابن أبي هلال حدثه أنه سمع القرطبي يقول : قرأت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قول الله :
وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
فقالت : وا سوأتاه ، إن الرجال والنساء يحشرون جميعا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ، لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال ، شغل بعضهم عن بعض " . وأما قوله :
وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ
فإنه يقول : خلفتم أيها القوم ما مكناكم في الدنيا مما كنتم تتباهون به فيها خلفكم في الدنيا ، فلم تحملوه معكم . وهذا تعيير الله جل ثناؤه لهؤلاء المشركين بمباهاتهم التي كانوا يتباهون بها في الدنيا بأموالهم ، وكل ما ملكته غيرك وأعطيته فقد خولته ، يقال منه : خال الرجل