مجاهد :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
يقول : مشركو قريش . وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال : عني بقوله :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
مشركو قريش . وذلك أن ذلك في سياق الخبر عنهم أولا ، فأن يكون ذلك أيضا خبرا عنهم أشبه من أن يكون خبرا عن اليهود ولما يجر لهم ذكر يكون هذا به متصلا ، مع ما في الخبر عمن أخبر الله عنه في هذه الآية من إنكاره أن يكون الله أنزل على بشر شيئا من الكتب ؛ وليس ذلك مما تدين به اليهود ، بل المعروف من دين اليهود الإقرار بصحف إبراهيم وموسى وزبور داود . وإذا لم يكن بما روي من الخبر بأن قائل ذلك كان رجلا من اليهود خبر صحيح متصل السند ، ولا كان على أن ذلك كان كذلك من أهل التأويل إجماع ، وكان الخبر من أول السورة ومبتدئها إلى هذا الموضع خبرا عن المشركين من عبدة الأوثان ، وكان قوله :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
موصولا بذلك غير مفصول منه ، لم يجز لنا أن ندعي أن ذلك مصروف عما هو به موصول إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل ؛ ولكني أظن أن الذين تأولوا ذلك خبرا عن اليهود ، وجدوا قوله : " قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم " فوجهوا تأويل ذلك إلى أنه لأهل التوراة ، فقرءوه على وجه الخطاب لهم :
تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ
فجعلوا ابتداء الآية خبرا عنهم ، إذ كانت خاتمتها خطابا لهم عندهم . وغير ذلك من التأويل والقراءة أشبه بالتنزيل ، لما وصفت قبل من أن قوله :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
في سياق الخبر عن مشركي العرب وعبدة الأوثان ، وهو به متصل ، فالأولى أن يكون ذلك خبرا عنهم . والأصوب من القراءة في قوله :
" يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا " أن يكون بالياء لا بالتاء ، على معنى أن اليهود يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا ، ويكون الخطاب بقوله :
قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ
لمشركي قريش .
وهذا هو المعنى الذي قصده مجاهد إن شاء الله في تأويل ذلك ، وكذلك كان يقرأ . حدثني المثني ، قال :
ثنا الحجاج بن المنهال ، قال : ثنا حماد ، عن أيوب ، عن مجاهد أنه كان يقرأ هذا الحرف : " يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا " . القول في تأويل قوله تعالى :
قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً
. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم
قُلْ
يا محمد لمشركي قومك القائلين لك : ما أنزل على بشر من شيء ، قل
مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً
يعني : جلاء وضياء من ظلمة الضلالة
وَهُدىً لِلنَّاسِ
يقول : بيانا للناس ، يبين لهم به الحق من الباطل فيما أشكل عليهم من أمر دينهم ، يجعلونه قراطيس يبدونها . فمن قرأ ذلك :
تَجْعَلُونَهُ
جعله خطابا لليهود على ما بينت من تأويل من تأول ذلك كذلك ، ومن قرأه بالياء : " يجعلونه " فتأويله في قراءته :
يجعله أهله قراطيس ، وجرى الكلام في " يبدونها " بذكر القراطيس ، والمراد منه : المكتوب في القراطيس ، يراد يبدون كثيرا مما يكتبون في القراطيس ، فيظهرونه للناس ويخفون كثيرا مما يثبتونه في القراطيس فيسرونه ويكتمونه الناس . ومما كانوا يكتمونه إياهم ما فيها من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته .
كالذي : حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " قراطيس