تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
عباس قوله :
فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ
قال : كان أهل المدينة قد تبوءوا الدار والإيمان قبل أن يقدم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أنزل الله عليهم الآيات جحد بها أهل مكة ، فقال الله تعالى :
فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ
. قال عطية : ولم أسمع هذا من ابن عباس ، ولكن سمعته من غيره . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس :
فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ
يعني أهل مكة . يقول : إن يكفروا بالقرآن
فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ
يعني أهل المدينة والأنصار . وقال آخرون : معنى ذلك : فإن يكفر بها أهل مكة ، فقد وكلنا بها الملائكة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن عوف ، عن أبي رجاء :
فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ
قال : هم الملائكة . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا محمد بن جعفر وابن أبي عدي ، وعبد الوهاب ، عن عوف ، عن أبي رجاء ، مثله . وقال آخرون : عني بقوله :
فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ
يعني قريشا ، وبقوله :
فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً
الأنبياء الذين سماهم في الآيات التي مضت قبل هذه الآية . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ
يعني أهل مكة ،
فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ
وهم الأنبياء الثمانية عشر الذين قال الله :
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
. حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة :
فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ
قال : يعني : قوم محمد ، ثم قال :
فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ
يعني : النبيين الذين قص قبل هذه الآية قصصهم ، ثم قال :
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
. وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك بالصواب ، قول من قال : عنى بقوله :
فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ
كفار قريس ،
فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ
يعني به : الأنبياء الثمانية عشر الذين سماهم الله تعالى ذكره في الآيات قبل هذه الآية . وذلك أن الخبر في الآيات قبلها عنهم مضى وفي التي بعدها عنهم ذكر ، ففيما بينها بأن يكون خبرا عنهم أولى وأحق من أن يكون خبرا عن غيرهم . فتأويل الكلام إذا كان ذلك كذلك : فإن يكفر قومك من قريش يا محمد بآياتنا ، وكذبوا وجحدوا حقيقتها ، فقد استحفظناها واسترعينا القيام بها رسلنا وأنبياءنا من قبلك الذين لا يجحدون حقيقتها ولا يكذبون بها ، ولكنهم يصدقون بها ويؤمنون بصحتها . وقد قال بعضهم : معنى قوله :
فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً
رزقناها قوما . القول في تأويل قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
. يقول تعالى ذكره :
أُولئِكَ
هؤلاء القوم الذين وكلنا بآياتنا وليسوا بها بكافرين ، هم الذين هداهم الله لدينه الحق ، وحفظ ما وكلوا بحفظه من آيات كتابه والقيام بحدوده واتباع حلاله وحرامه والعمل بما فيه من أمر الله والانتهاء عما فيه من نهيه ، فوفقهم جل ثناؤه لذلك .
فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
يقول تعالى ذكره : فبالعمل الذي عملوا والمنهاج الذي سلكوا وبالهدى الذي هديناهم والتوفيق الذي وفقناهم ، اقتده يا محمد : أي فاعمل وخذ به واسكله ، فإنه عمل لله فيه رضا ومنهاج من سلكه اهتدى . وهذا التأويل على مذهب من تأول قوله :
فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها