اثنين . فإن قال قائل : فما أنت قائل في قراءة من قرأ :
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
أنه بفتح أن ؟ قيل : إن ذلك إذ قرئ كذلك ، فإن " أن " بيان عن الرحمة وترجمة عنها ، لأن معنى الكلام : كتب على نفسه الرحمة أن يرحم من عباده بعد اقتراف السوء بجهالة ، ويعفو والرحمة يترجم عنها ، ويبين معناها بصفتها ، وليس من صفة الرحمة
لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
فيكون مبينا به عنها . فإن كان ذلك كذلك ، فلم يبق إلا أن ينصب بنية تكرير كتب مرة أخرى معه ، ولا ضرورة بالكلام إلى ذلك فتوجه إلى ما ليس بموجود في ظاهر . وأما تأويل قوله
لا رَيْبَ فِيهِ
فإنه لا يشك فيه ، يقول : في أن الله يجمعكم إلى يوم القيامة فيحشركم إليه جميعا ، ثم يؤتى كل عامل منكم أجر ما عمل من حسن أو سيئ . القول في تأويل قوله تعالى :
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
. يعني تعالى ذكره بقوله :
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
العادلين به الأوثان والأصنام يقول تعالى ذكره : ليجمعن الله الذين خسروا أنفسهم ، يقول :
الذين أهلكوا أنفسهم وغبنوها بادعائهم لله الند والعديل ، فأبقوها بإيجابهم سخط الله وأليم عقابه في المعاد . وأصل الخسار : الغبن ، يقال منه : خسر الرجل في البيع : إذا غبن ، كما قال الأعشى :
لا يأخذ الرشوة في حكمه * ولا يبالي خسر الخاسر
وقد بينا ذلك في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته . وموضوع " الذين " في قوله :
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
نصب على الرد على الكاف والميم في قوله :
لَيَجْمَعَنَّكُمْ
على وجه البيان عنها . وذلك أن الذين خسروا أنفسهم ، هم الذين خوطبوا بقوله :
لَيَجْمَعَنَّكُمْ
. وقوله :
فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
يقول : فهم لإهلاكهم أنفسهم وغبنهم إياه حظها لا يؤمنون ، أي لا يوحدون الله ولا يصدقون بوعده ووعيده ولا يقرون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
يقول تعالى ذكره : لا يؤمن هؤلاء العادلون بالله الأوثان ، فيخلصوا له التوحيد ويفردوا له الطاعة ويقروا بالألوهية جهلا .
وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
يقول : وله ملك كل شيء ، لأنه لا شيء من خلق الله إلا وهو ساكن الليل والنهار ، فمعلوم بذلك أن معناه ما وصفنا .
وَهُوَ السَّمِيعُ
ما يقول هؤلاء المشركون فيه من ادعائهم له شريكا ، وما يقول غيرهم من خلاف ذلك .
الْعَلِيمُ
بما يضمرونه في أنفسهم وما يظهرونه بجوارحهم ، لا يخفى عليه شيء من ذلك ، فهو يحصيه عليهم ، ليوفي كل إنسان ثواب ما اكتسب وجزاء ما عمل . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله :
سَكَنَ
قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
يقول : ما استقر في الليل والنهار . القول في تأويل قوله تعالى :
قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء المشركين العادلين بربهم الأوثان والأصنام ، والمنكرين عليك إخلاص التوحيد لربك ، الداعين إلى عبادة الآلهة والأوثان : أشياء غير الله تعالى أتخذ وليا وأستنصره وأستعينه على النوائب والحوادث ؟ كما : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا
قال : أما الولي : فالذي يتولونه ويقرون له بالربوبية .
فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
يقول أشيئا غير الله فاطر السماوات والأرض أتخذ وليا ؟ ففاطر السماوات من نعت الله وصفته ولذلك خفض . ويعني بقوله :
فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
مبتدعهما ومبتدئهما وخالقهما .
كالذي : حدثنا به ابن وكيع ، قال : ثنا يحيى بن سعيد القطان ، عن سفيان ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن مجاهد ، قال : سمعت ابن عباس يقول : كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض ، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما لصاحبه : أنا فطرتها ، يقول : أنا ابتدأتها . حدثنا محمد