وقرأ ذلك آخرون بفتح الظاء : " إلا من ظلم " وتأولوه : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ، إلا من ظلم ، فلا بأس أن يجهر له بالسوء من القول . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال :
قال ابن زيد : كان أبي زيد يقرأ : " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم " قال ابن زيد : يقول : إلا من أقام على ذلك النفاق فيجهر له بالسوء حتى ينزع . قال : وهذه مثل :
وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ
أن تسميه بالفسق
بَعْدَ الْإِيمانِ
بعد إذ كان مؤمنا ،
وَمَنْ لَمْ يَتُبْ
من ذلك العمل الذي قيل له ،
فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
الحجرات : قال : هو أشر ممن قال ذلك له " " . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله ، " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم " فقرأ :
إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ
حتى بلغ :
وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً
ثم قال بعد ما قال : هم في الدرك الأسفل من النار .
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً
" لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم " قال : لا يحب الله أن يقول لهذا : ألست نافقت ؟ ألست المنافق الذي ظلمت وفعلت وفعلت ؟
من بعد ما تاب ، " إلا من ظلم " ، إلا من أقام على النفاق . قال : وكان أبي زيد يقول ذلك له ويقرؤها : " إلا من ظلم " . ف " من " على هذا التأويل نصب لتعلقه بالجهر . وتأويل الكلام على قول قائل هذا القول زيد : لا يحب الله أن يجهر أحد لأحد من المنافقين بالسوء من القول " إلا من ظلم " منهم ، فأقام على نفاقه فإنه لا بأس بالجهر له بالسوء من القول . قال أبو جعفر : وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ :
إِلَّا مَنْ ظُلِمَ
بضم الظاء ، لإجماع الحجة من القراء وأهل التأويل على صحتها ، وشذوذ قراءة من قرأ ذلك بالفتح . فإذ كان ذلك أولى القراءتين بالصواب ، فالصواب في تأويل ذلك : لا يحب الله أيها الناس أن يجهر أحد لأحد بالسوء من القول
إِلَّا مَنْ ظُلِمَ
بمعنى : إلا من ظلم فلا حرج عليه أن يخبر بما أسيء إليه . وإذا كان ذلك معناه ، دخل فيه إخبار من لم يقر أو أسيء قراه ، أو نيل بظلم في نفسه أو ماله عنوة من سائر الناس ، وكذلك دعاؤه على من ناله بظلم ؛ أن ينصره الله عليه ، لأن في دعائه عليه إعلاما منه لمن سمع دعاءه عليه بالسوء له . وإذ كان ذلك كذلك ، ف " من " في موضع نصب ، لأنه منقطع عما قبله ، وأنه لا أسماء قبله يستثنى منها ، فهو نظير قول :
لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ
الغاشية : . وأما قوله :
وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً
فإنه يعني :
وكان الله سميعا لما يجهرون به من سوء القول لمن يجهرون له به ، وغير ذلك من أصواتكم وكلامكم ، عليما بما تخفون من سوء قولكم وكلامكم لمن تخفون له به ، فلا تجهرون له به ، محص كل ذلك عليكم حتى يجازيكم على ذلك كله جزاءكم المسئ بإساءته والمحسن بإحسانه . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً
يعني بذلك جل ثناؤه
إِنْ تُبْدُوا
أيها الناس خيرا يقول : إن تقولوا جميلا من القول لمن أحسن إليكم ، فتظهروا ذلك شكرا منكم له على ما كان منه من حسن إليكم ،
أَوْ تُخْفُوهُ
يقول : أو تتركوا إظهار ذلك فلا تبدوه ،
أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ
يقول : أو تصفحوا لمن أساء إليكم عن إساءته ، فلا تجهروا له بالسوء من القول الذي قد أذنت لكم أن تجهروا له به .
فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا
يقول : لم يزل ذا عفو عن خلقه ، يصفح لهم عمن عصاه وخالف أمره .
قَدِيراً
يقول : ذا قدرة على الانتقام منهم . وإنما يعني بذلك : أن الله لم يزل ذا عفو من عباده مع قدرته على عقابهم على معصيتهم إياه . يقول : فاعفوا أنتم أيضا أيها الناس عمن أتى إليكم ظلما ، ولا تجهروا له بالسوء من القول وإن قدرتم على الإساءة إليه ، كما يعفو عنكم ربكم مع قدرته على عقابكم وأنتم تعصونه وتخالفون أمره . وفي قوله جل ثناؤه :
إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً
الدلالة الواضحة على أن تأويل قوله :
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ
بخلاف التأويل الذي تأوله زيد بن أسلم في زعمه أن معناه : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول