الجزء السادس
[ بقية تفسير سورة النساء ]
القول في تأويل قوله تعالى :
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً
اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الأمصار بضم الظاء . وقرأه بعضهم : " إلا من ظلم " بفتح الظاء . ثم اختلف الذين قرءوا ذلك بضم الظاء في تأويله ؛ فقال بعضهم : معنى ذلك : لا يحب الله تعالى ذكره أن يجهر أحدنا بالدعاء على أحد ، وذلك عندهم هو الجهر بالسوء ؛
إِلَّا مَنْ ظُلِمَ
يقول : إلا من ظلم فيدعو على ظالمه ، فإن الله جل ثناؤه لا يكره له ذلك ، لأنه قد رخص له في ذلك . ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله :
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ
يقول : لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد أن يكون مظلوما ، فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه ، وذلك قوله :
إِلَّا مَنْ ظُلِمَ
وإن صبر فهو خير له . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ
فإنه يحب الجهر بالسوء من القول . حدثنا بشر بن معاذ ، قال :
ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً
عذر الله المظلوم كما تسمعون أن يدعو . حدثني الحرث ، قال : ثنا أبو عبيد ، قال : ثنا هشيم ، عن يونس ، عن الحسن ، قال : هو الرجل يظلم الرجل ، فلا يدع عليه ، ولكن ليقل : اللهم أعني عليه اللهم استخرج ، لي حقي اللهم حل بينه وبين ما يريد ونحوه من الدعاء . ف " من " على قول ابن عباس هذا في موضع رفع ، لأنه وجهه إلى أن الجهر بالسوء في معنى الدعاء ، واستثنى المظلوم منه ، فكان معنى الكلام على قوله : لا يحب الله أن يجهر بالسوء من القول ، إلا المظلوم فلا حرج عليه في الجهر به . وهذا مذهب يراه أهل العربية خطأ في العربية ، وذلك أن " من " لا يجوز أن يكون رفعا عندهم بالجهر ، لأنها في صلة