عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله :
وَعَزَّرْتُمُوهُمْ
قال : نصرتموهم . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : قوله :
وَعَزَّرْتُمُوهُمْ
قال : نصرتموهم بالسيف . وقال آخرون : هو الطاعة والنصرة . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول في قوله :
وَعَزَّرْتُمُوهُمْ
قال : التعزر والتوقير : الطاعة والنصرة . واختلف أهل العربية في تأويله ، فذكر عن يونس الحرمري أنه كان يقول : تأويل ذلك : أثنيتم عليهم . حدثنا بذلك عن أبي عبيدة معمر بن المثني عنه يونس الحرمري . وكان أبو عبيدة يقول : معنى ذلك نصرتموهم وأعنتموهم ووقرتموهم وعظتموهم وأيدتموهم ، وأنشد في ذلك :
وكم من ماجد لهم كريم * ومن ليث يعزز في الندي
وكان الفراء يقول : العزر الرد عزرته رددته : إذا رأيته يظلم ، فقلت : اتق الله أو نهيته ، فذلك العزر .
وأولى هذه الأقوال عندي في ذلك بالصواب قول من قال : معنى ذلك : نصرتموهم ، وذلك أن الله جل ثناؤه قال في سورة الفتح :
إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ
فالتوقير : هو التعظيم . وإذا كان ذلك كذلك ، كان القول في ذلك إنما هو بعض ما ذكرنا من الأقوال التي حكيناها عمن حكينا عنه . وإذا فسد أن يكون معناه التعظيم ، وكان النصر قد يكون باليد واللسان ؛ فأما باليد فالذب بها عنه بالسيف وغيره ، وأما باللسان فحسن الثناء ، والذب عن العرض ، صح أنه النصر إذ كان النصر يحوي معنى كل قائل قال فيه قولا مما حكينا عنه . وأما قوله :
وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً
فإنه يقول : وأنفقتم في سبيل الله ، وذلك في جهاد عدوه وعدوكم ،
قَرْضاً حَسَناً
يقول : وأنفقتم ما أنفقتم في سبيله ، فأصبتم الحق في إنفاقكم ما أنفقتم في ذلك ، ولم تتعدوا فيه حدود الله وما ندبكم إليه وحثكم عليه إلى غيره . فإن قال لنا قاتل : وكيف قال :
وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً
ولم يقل : إقراضا حسنا ، وقد علمت أن مصدر أقرضت : الإقراض ؟ قيل : لو قيل ذلك كان صوابا ، ولكن قوله :
قَرْضاً حَسَناً
أخرج مصدرا من معناه لا من لفظه ، وذلك أن في قوله : أقرض معنى قرض ، كما في معنى أعطى أخذ ، فكان معنى الكلام : وقرضتم الله قرضا حسنا ، ونظير ذلك :
وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً
إذ كان في أنبتكم معنى فنبتم ، وكما قال امرؤ القيس :
ورضت فذلت صعبة أي إذلال
إذ كان في رضت معنى أذللت ، فخرج الإذلال مصدرا من معناه لا من لفظه . القول في تأويل قوله تعالى :
لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ
يعني جل ثناؤه بذلك بني إسرائيل ، يقول لهم جل ثناؤه :
لئن أقمتم الصلاة أيها القوم الذين أعطوني ميثاقهم بالوفاء بطاعتي ، واتباع أمري ، وآتيتم الزكاة ، وفعلتم سائر ما وعدتكم عليه جنتي
لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
يقول : لأغطين بعفوي عنكم وصفحي عن عقوبتكم ، على سالف إجرامكم التي أجرمتموها فيما بيني وبينكم على ذنوبكم التي سلفت منكم من عبادة العجل وغيرها من موبقات ذنوبكم .
وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ
مع تغطيتي على ذلك منكم بفضلي يوم القيامة
جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
فالجنات : البساتين . وإنما قلت : معنى قوله :
لَأُكَفِّرَنَّ
لأغطين ، لأن الكفر معناه الجحود والتغطية والستر ، كما قال لبيد :
في ليلة كفر النجوم غمامها
يعني : " غطاها " . فالتكفير التفعيل من الكفر . واختلف أهل العربية في معنى " اللام " التي في قوله :
لَأُكَفِّرَنَّ
فقال بعض نحويي البصرة : اللام الأولى على معنى القسم ، يعني اللام التي في قوله :
لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ
قال : والثانية معنى قسم آخر . وقال بعض نحويي الكوفة : بل اللام الأولى وقعت موقع اليمين ، فاكتفى بها عن اليمين ، يعني باللام الأولى : لئن أقمتم الصلاة .