تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
معلوما بذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بالعفو عنهم والصفح عقيب قوله :
إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ
ومن غيرهم كان يبسط الأيدي إليهم ، لأنه لو كان الذين هموا ببسط الأيدي إليهم غيرهم لكان حرثا أن يكون الأمر بالعفو والصفح عنهم لا عمن لم يجر لهم بذلك ذكر ، ولكان الوصف بالخيانة في وصفهم في هذا الموضع لا في وصف من لم يجر لخيانته ذكر ، ففي ذلك ما ينبئ عن صحة ما قضينا له بالصحة من التأويلات في ذلك دون ما خالفه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
يعني جل ثناؤه : واحذروا الله أيها المؤمنون أن تخالفوه فيما أمركم ونهاكم أن تنقضوا الميثاق الذي واثقكم به فتستوجبوا منه العقاب الذي لا قبل لكم به .
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
يقول : وإلى الله فليلق أزمة أمورهم ، ويستسلم لقضائه ، ويثق بنصرته وعونه ، المقرون بوحدانية الله ورسالة رسوله ، العاملون بأمره ونهيه ، فإن ذلك من كمال دينهم وتمام إيمانهم ، وأنهم إذا فعلوا ذلك كلأهم ورعاهم وحفظهم ممن أرادهم بسوء ، كما حفظكم ودافع عنكم أيها المؤمنون اليهود الذين هموا بما هموا به من بسط أيديهم إليكم ، كلاءة منه لكم ، إذ كنتم من أهل الإيمان به وبرسوله دون غيره ، فإن غيره لا يطيق دفع سوء أراد بكم ربكم ولا اجتلاب نفع لكم لم يقضه لكم القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ
وهذه الآية أنزلت إعلاما من الله جل ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به ، أخلاق الذين هموا ببسط أيديهم إليهم من اليهود . كالذي : حدثنا الحرث بن محمد ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا مبارك ، عن الحسن في قوله :
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ
قال : اليهود من أهل الكتاب . وأن الذي هموا به من الغدر ونقض العهد الذي بينهم وبينه من صفاتهم وصفات أوائلهم وأخلاقهم وأخلاق أسلافهم قديما ، واحتجاجا لنبيه صلى الله عليه وسلم على اليهود باطلاعه إياه على ما كان علمه عندهم دون العرب من خفي أمورهم ومكنون علومهم ، وتوبيخا لليهود في تماديهم في الغي ، وإصرارهم على الكفر مع علمهم بخطإ ما هم عليهم مقيمون . يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : لا تستعظموا أمر الذين هموا ببسط أيديهم إليكم من هؤلاء اليهود بما هموا به لكم ، ولا أمر الغدر الذي حاولوه وأرادوه بكم ، فإن ذلك من أخلاق أوائلهم وأسلافهم ، لا يعدون أن يكونوا على منهاج أولهم وطريق سلفهم . ثم ابتدأ الخبر عز ذكره عن بعض غدراتهم وخياناتهم وجراءتهم على ربهم ونقضهم ميثاقهم الذي واثقهم عليه بأدائهم ، مع نعمه التي خصهم بها ، وكراماته التي طوقهم شكرها ، فقال : ولقد أخذ الله ميثاق من سلف ممن هم ببسط يده إليكم من يهود بني إسرائيل يا معشر المؤمنين بالوفاء له بعهوده وطاعته فيما أمرهم ونهاهم كما : حدثني المثني ، قال : ثنا آدم العسقلاني ، قال : ثنا أبو جعفر الرازي ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله :
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ
قال : أخذ الله مواثيقهم أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره .
وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً
يعني بذلك : وبعثنا منهم اثني عشر كفيلا ، كفلوا عليهم بالوفاء لله بما واثقوه عليه من العهود فيما أمرهم به ، وفيما نهاهم عنه . والنقيب في كلام العرب ، كالعريف على القوم ، غير أنه فوق العريف ، يقال منه : نقب فلان على بني فلان فهو ينقب نقبا ، فإذا أريد أنه لم يكن نقيبا فصار نقيبا ، قيل : قد نقب فهو ينقب نقابة ، ومن العريف : عرف عليهم يعرف عرافة . فأما المناكب فإنهم كالأعوان يكونون مع العرفاء ، واحدهم منكب . وكان بعض أهل العلم بالعربية يقول : هو الأمين الضامن على القوم . فأما أهل التأويل فإنهم قد اختلفوا بينهم في تأويله ، فقال بعضهم : هو الشاهد على قومه . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً
من كل سبط رجل شاهد على قومه . وقال آخرون : النقيب : الأمين . ذكر من قال ذلك : حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قال : النقباء :
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 95 | محمد بن جرير الطبري