وأرزاقكم ، وفيما عقبت بينه من الليل والنهار ، فجعلتهما يختلفان ويعتقبان عليكم ، تتصرفون في هذا لمعاشكم ، وتسكنون في هذا راحة لأجسادكم ، معتبر ومدكر ، وآيات وعظات . فمن كان منكم ذا لب وعقل ، يعلم أن من نسبني إلى أني فقير وهو غني كاذب مفتر ، فإن ذلك كله بيدي أقلبه وأصرفه ، ولو أبطلت ذلك لهلكتم ، فكيف ينسب فقر إلى من كان كل ما به عيش ما في السماوات والأرض بيده وإليه أم كيف يكون غنيا من كان رزقه بيد غيره ، إذا شاء رزقه ، وإذا شاء حرمه فاعتبروا يا أولي الألباب .
القول في تأويل قوله تعالى :
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
وقوله :
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً
من نعت " أولي الألباب " ، و " الذين " في موضع خفض ردا على قوله : " لأولي الألباب " . ومعنى الآية : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ، الذاكرين الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ، يعني بذلك : قياما في صلاتهم وقعودا في تشهدهم وفي غير صلاتهم وعلى جنوبهم نياما . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال :
ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله :
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً
الآية ، قال : هو ذكر الله في الصلاة وفي غير الصلاة ، وقراءة القرآن . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ
وهذه حالاتك كلها يا ابن آدم ، فاذكره وأنت على جنبك يسرا من الله وتخفيفا . فإن قال قائل : وكيف قيل :
وَعَلى جُنُوبِهِمْ
فعطف ب " على " ، وهي صفة على القيام والقعود وهما اسمان ؟ قيل : لأن قوله :
وَعَلى جُنُوبِهِمْ
في معنى الاسم ، ومعناه : ونياما أو مضطجعين على جنوبهم ؛ فحسن عطف ذلك على القيام والقعود لذلك المعنى ، كما قيل :
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً
فعطف بقوله :
أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً
على قوله :
لِجَنْبِهِ
، لأن معنى قوله : لجنبه مضطجعا ، فعطف بالقاعد والقائم على معناه ، فكذلك ذلك في قوله :
وَعَلى جُنُوبِهِمْ
وأما قوله :
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
فإنه يعني بذلك أنهم يعتبرون بصنعة صانع ذلك ، فيعلمون أنه لا يصنع ذلك إلا من ليس كمثله شيء ، ومن هو مالك كل شيء ورازقه ، وخالق كل شيء ومدبره ، من هو على كل شيء قدير ، وبيده الإغناء والإفقار ، والإعزاز والإذلال ، والإحياء والإماتة ، والشقاء والسعادة . القول في تأويل قوله تعالى :
رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ
يعني بذلك تعالى ذكره : ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ، قائلين :
رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا
فترك ذكر قائلين ، إذ كان فيما ظهر من الكلام دلالة عليه ؛ وقوله :
ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا
يقول : لم تخلق هذا الخلق عبثا ولا لعبا ، لم تخلقه إلا لأمر عظيم من ثواب وعقاب ومحاسبة ومجازاة ، وإنما قال : ما خلقت هذا باطلا ، ولم يقل : ما خلقت هذه ، ولا هؤلاء ، لأنه أراد بهذا الخلق الذي في السماوات والأرض ، يدل على ذلك قوله :
سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ
ورغبتهم إلى ربهم في أن يقيهم عذاب الجحيم ، ولو كان المعني بقوله :
ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا
السماوات والأرض ، لما كان لقوله عقيب ذلك :
فَقِنا عَذابَ النَّارِ
معنى مفهوم ، لأن السماوات والأرض أدلة على بارئها ، لا على الثواب والعقاب ، وإنما الدليل على الثواب والعقاب : الأمر والنهي ؛ وإنما وصف جل ثناؤه أولي الألباب الذين ذكرهم في هذه الآية ، أنهم إذا رأوا المأمورين المنهيين ، قالوا : يا ربنا لم تخلق هؤلاء باطلا عبثا سبحانك ، يعني : تنزيها لك من أن تفعل شيئا عبثا ، ولكنك خلقتهم لعظيم من الأمر ، لجنة أو نار . ثم فزعوا إلى ربهم