تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
من كانوا على منهاجه وطريقته إلى جميعهم ، إذ كانوا أهل ملة واحدة ، ونحلة واحدة ، وبالرضا من جميعهم فعل ما فعل فاعل ذلك منهم على ما بينا من نظائره فيما مضى قبل . القول في تأويل قوله :
وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
يعني بذلك جل ثناؤه : ونقول للقائلين بأن الله فقير ونحن أغنياء ، القاتلين أنبياء الله بغير حق ، يوم القيامة : ذوقوا عذاب الحريق ، يعني بذلك : عذاب نار محرقة ملتهبة ، والنار اسم جامع للملتهبة منها وغير الملتهبة ، وإنما الحريق صفة لها ، يراد أنها محرقة ، كما قيل : " عذاب أليم " يعني : مؤلم ، و " وجيع " يعني : موجع . وأما قوله :
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ
أي قولنا لهم يوم القيامة : ذوقوا عذاب الحريق بما أسلفت أيديكم ، واكتسبتها أيام حياتكم في الدنيا ، وبأن الله عدل لا يجور ، فيعاقب عبدا له بغير استحقاق منه العقوبة ، ولكنه يجازي كل نفس بما كسبت ، ويوفي كل عامل جزاء ما عمل ، فجازى الذين قال لهم يوم القيامة من اليهود الذين وصف صفتهم ، فأخبر عنهم أنهم قالوا : إن الله فقير ونحن أغنياء ، وقتلوا الأنبياء بغير حق ، بما جازاهم به من عذاب الحريق ، بما اكتسبوا من الآثام ، واجترحوا من السيئات ، وكذبوا على الله بعد الإعذار إليهم بالإنذار ، فلم يكن تعالى ذكره بما عاقبهم به من إذاقتهم عذاب الحريق ظالما ولا واضعا عقوبته في غير أهلها ، وكذلك هو جل ثناؤه غير ظلام أحدا من خلقه ، ولكنه العادل بينهم ، والمتفضل على جميعهم بما أحب من فواضله ونعمه . القول في تأويل قوله تعالى :
الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
يعني بذلك جل ثناؤه : لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول . وقوله :
الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ
في موضع خفض ردا على قوله :
الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ
ويعني بقوله :
قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ
أوصانا " وتقدم إلينا في كتبه وعلى ألسن أنبيائه ، أن لا نؤمن لرسول . يقول : أن لا نصدق رسولا فيما يقول إنه جاء به من عند الله ، من أمر ونهي وغير ذلك
حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ
يقول : يجيئنا بقربان ، وهو ما تقرب به العبد إلى ربه من صدقة ، وهو مصدر مثل العدوان والخسران من قولك : قربت قربانا . وإنما قال : " تأكله النار " ، لأن أكل النار ما قربه أحدهم لله في ذلك الزمان كان دليلا على قبول الله منه ما قرب له ، ودلالة على صدق المقرب فيما ادعى أنه محق فيما نازع أو قال ، كما : حدثنا محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله :
حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ
كان الرجل يتصدق ، فإذا تقبل منه أنزلت عليه نار من السماء فأكلته . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ ، يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ
كان الرجل إذا تصدق بصدقة ، فتقبلت منه بعث الله نارا من السماء ، فنزلت على القربان فأكلته . فقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :
أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ
يعني : بالحجج الدالة على صدق نبوتهم وحقيقة قولهم ؛
وَبِالَّذِي قُلْتُمْ
يعني : وبالذي ادعيتم أنه إذا جاء به لزمكم تصديقه ، والإقرار بنبوته من أكل النار قربانه إذا قرب لله دلالة على صدقه ؛
فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
يقول له : قل لهم : قد جاءتكم الرسل الذي كانوا من قبلي بالذي زعمتم أنه حجة لهم عليكم ، فقتلتموهم ، فلم قتلتموهم وأنتم مقرون بأن الذي جاءوكم به من ذلك كان حجة لهم عليكم إن كنتم صادقين في أن الله عهد إليكم أن تؤمنوا بمن أتاكم من رسله بقربان تأكله النار حجة له على نبوته ؟ وإنما أعلم الله عباده بهذه الآية ، أن الذين وصف صفتهم من اليهود الذين كانوا
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 131 | محمد بن جرير الطبري