تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
حتى يميز المؤمن من الكافر بالهجرة والجهاد . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ
يعني : الكفار . يقول : لم يكن الله ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه من الضلالة ،
حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
يميز بينهم في الجهاد والهجرة . الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله :
حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
قال : حتى يميز الفاجر من المؤمن . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
قالوا : إن كان محمد صادقا فليخبرنا بمن يؤمن بالله ومن يكفر فأنزل الله :
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
حتى يخرج المؤمن من الكافر . والتأويل الأول أولى بتأويل الآية ، لأن الآيات قبلها في ذكر المنافقين وهذه في سياقتها ، فكونها بأن تكون فيهم أشبه منها بأن تكون في غيرهم . القول في تأويل قوله تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم بما : حدثنا به محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ
وما كان الله ليطلع محمدا على الغيب ، ولكن الله اجتباه فجعله رسولا . وقال آخرون بما : حدثنا به ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ
أي فيما يريد أن يبتليكم به ، لتحذروا ما يدخل عليكم فيه :
وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ
يعلمه . وأولى الأقوال في ذلك بتأويله : وما كان الله ليطلعكم على ضمائر قلوب عباده ، فتعرفوا المؤمن منهم من المنافق والكافر ، ولكنه يميز بينهم بالمحن والابتلاء كما ميز بينهم بالبأساء يوم أحد ، وجهاد عدوه ، وما أشبه ذلك من صنوف المحن ، حتى تعرفوا مؤمنهم وكافرهم ومنافقهم . غير أنه تعالى ذكره يجتبي من رسله من يشاء ، فيصطفيه ، فيطلعه على بعض ما في ضمائر بعضهم بوحيه ذلك إليه ورسالته . كما : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله :
وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ
قال : يخلصهم لنفسه . وإنما قلنا هذا التأويل أولى بتأويل الآية ، لأن ابتداءها خبر من الله تعالى ذكره أنه غير تارك عباده ، يعني بغير محن ، حتى يفرق بالابتلاء بين مؤمنهم وكافرهم وأهل نفاقهم . ثم عقب ذلك بقوله :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ
، فكان فيما افتتح به من صفة إظهار الله نفاق المنافق وكفر الكافر ، دلالة واضحة على أن الذي ولي ذلك هو الخبر عن أنه لم يكن ليطلعهم على ما يخفى عنهم من باطن سرائرهم إلا بالذي ذكر أنه مميز به نعتهم إلا من استثناه من رسله الذي خصه بعلمه . القول في تأويل قوله تعالى :
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ
يعني بذلك جل ثناؤه بقوله :
وَإِنْ تُؤْمِنُوا
وإن تصدقوا من اجتبيته من رسلي بعلمي ، وأطلعته على المنافقين منكم ، وتتقوا ربكم بطاعته فيما أمركم به نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم وفيما نهاكم عنه ،
فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ
يقول : فلكم بذلك من إيمانكم واتقائكم ربكم ثواب عظيم . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا
أي ترجعوا وتتوبوا ،
فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ
القول في تأويل قوله تعالى :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ
اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه جماعة من أهل الحجاز والعراق :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ
بالياء من يحسبن وقرأته جماعة أخر : " ولا تحسبن " بالتاء . ثم اختلف أهل العربية في تأويل ذلك ، فقال بعض نحويي الكوفة : معنى ذلك : لا يحسبن الباخلون البخل هو خيرا لهم . فاكتفى