تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
خير لأنفسهم " فقرأ ذلك جماعة منهم :
وَلا يَحْسَبَنَّ
بالياء وفتح الألف من قوله
أَنَّما
على المعنى الذي وصفت من تأويله . وقرأه آخرون : " ولا تحسبن " بالتاء و
أَنَّما
أيضا بفتح الألف من " أنما " ، بمعنى : ولا تحسبن يا محمد الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم . فإن قال قائل : فما الذي من أجله فتحت الألف من قوله :
أَنَّما
في قراءة من قرأ بالتاء ، وقد علمت أن ذلك إذا قرئ بالتاء فقد أعملت تحسبن في الذين كفروا ، وإذا أعملتها في ذلك لم يجز لها أن تقع على " أنما " لأن " أنما " إنما يعمل فيها عامل يعمل في شيئين نصبا ؟ قيل : أما الصواب في العربية ووجه الكلام المعروف من كلام العرب كسر إن إذا قرئت تحسبن بالتاء ، لأن تحسبن إذا قرئت بالتاء ، فإنها قد نصبت الذين كفروا ، فلا يجوز أن تعمل وقد نصبت اسما في أن ، ولكني أظن أن من قرأ ذلك بالتاء في تحسبن وفتح الألف من أنما ، إنما أراد تكرير تحسبن على أنما ، كأنه قصد إلى أن معنى الكلام : ولا تحسبن يا محمد أنت الذين كفروا ، لا تحسبن أنما نملي لهم خير لأنفسهم ، كما قال جل ثناؤه :
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً
بتأويل : هل ينظرون إلا الساعة ، هل ينظرون إلا أن تأتيهم بغتة ؟ وذلك وإن كان وجها جائزا في العربية ، فوجه كلام العرب ما وصفنا قبل . والصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأ :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
بالياء من " يحسبن " ، وبفتح الألف من " أنما " ، على معنى الحسبان للذين كفروا دون غيرهم ، ثم يعمل في " أنما " نصبا ؛ لأن " يحسبن " حينئذ لم يشغل بشيء عمل فيه ، وهي تطلب منصوبين . وإنما اخترنا ذلك لإجماع القراء على فتح الألف من " أنما " الأولى ، فدل ذلك على أن القراءة الصحيحة في " يحسبن " بالياء لما وصفنا ؛ وأما ألف " إنما " الثانية فالكسر على الابتداء بالإجماع من القراء عليه . وتأويل قوله :
إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً
إنما نؤخر آجالهم فنطيلها ليزدادوا إثما ، يقول : يكتسبوا المعاصي فتزداد آثامهم وتكثر
وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ
يقول : ولهؤلاء الذين كفروا بالله ورسوله في الآخرة عقوبة لهم مهينة مذلة . وبنحو ما قلنا في ذلك جاء الأثر . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن خيثمة ، عن الأسود ، قال : قال عبد الله : ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها ، وقرأ :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً
وقرأ :
نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ
القول في تأويل قوله تعالى :
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
يعني بقوله :
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ
ما كان الله ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن منكم بالمنافق ، فلا يعرف هذا من هذا
حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
يعنى بذلك : حتى يميز الخبيث ، وهو المنافق المستسر للكفر ، من الطيب ، وهو المؤمن المخلص الصادق الإيمان بالمحن والاختبار ، كما ميز بينهم يوم أحد عند لقاء العدو عند خروجهم إليه . واختلف أهل التأويل في الخبيث الذي عنى الله بهذه الآية ، فقال بعضهم فيه مثل قولنا وهو المنافق . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثني أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله :
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
قال : ميز بينهم يوم أحد ، المنافق من المؤمن . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال ثني حجاج ، عن ابن جريج :
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
قال ابن جريج : يقول : ليبين الصادق بإيمانه من الكاذب . قال : ابن جريج : قال مجاهد : يوم أحد ميز بعضهم عن بعض ، المنافق عن المؤمن . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
أي المنافق . وقال آخرون : معنى ذلك :