المؤمنين بالنهي عن المن والأَذى في صدقاتهم . ثم ضرب مثلا لمن من وأذى من تصدق عليه بصدقة ، فمثله بالمرائي من المنافقين ، المنفقين أموالهم رياء الناس . وكانت قصة هذه الآية وما قبلها من المثل نظيرة ما ضرب لهم من المثل قبلها ، فكان إلحاقها بنظيرتها أولى من حمل تأويلها على أنه مثل ما لم يجر له ذكر قبلها ولا معها . فإن قال لنا قائل : وكيف قيل :
وَأَصابَهُ الْكِبَرُ
وهو فعل ماض فعطف به على قوله
أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ
؟ قيل ؛ إن ذلك كذلك ، لأَن قوله :
أَ يَوَدُّ
يصح أن يوضع فيه " لو " مكان " أن " فلما صلحت بلو وأن ومعناهما جميعا الاستقبال ، استجازت العرب أن يردوا " فعل " بتأويل " لو " على " يفعل " مع " أن " ، فلذلك قال : فأصابها ، وهو في مذهبه بمنزلة " لو " إذا ضارعت " أن " في معنى الجزاء ، فوضعت في مواضعها ، وأجيبت " أن " بجواب " لو " و " لو " بجواب " أن " ، فكأنه قيل : أيود أحدكم لو كانت له جنة من نخيل وأعناب ، تجري من تحتها الأَنهار ، له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر . فإن قال : وكيف قيل هاهنا : وله ذرية ضعفاء ؟ وقال في النساء :
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً
؟ قيل : لأَن " فعيلا " يجمع على " فعلاء " و " فعال " ، فيقال : رجل ظريف من قوم ظرفاء وظراف . وأما الإِعصار : فإنه الريح العاصف ، تهب من الأَرض إلى السماء كأنها عمود ، تجمع أعاصير ؛ ومنه قول يزيد بن مفرغ الحميري :
أناس أجارونا فكان جوارهم * أعاصير من سوء العراق المنذر
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله :
إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ
فقال بعضهم : معنى ذلك : ريح فيها سموم شديدة .
ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع ، قال : ثنا يوسف بن خالد السمتي ، قال : ثنا نافع بن مالك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله :
إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ
ريح فيها سموم شديدة . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن عطية ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، عن ابن عباس في :
إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ
قال : السموم الحارة التي خلق منها الجان التي تحرق . حدثنا حميد ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، عن ابن عباس
فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ
قال : هي السموم الحارة . حدثنا المثنى ، قال : ثنا الحماني ، قال : ثنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، عن ابن عباس :
إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ
التي تقتل . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عمن ذكره ، عن ابن عباس ، قال : إن السموم التي خلق منها الجان جزء من سبعين جزءا من النار . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ
هي ريح فيها سموم شديد .
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس :
إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ
قال : سموم شديد . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ
يقول : أصابها ريح فيها سموم شديدة . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، نحوه . حدثني موسى ، قال :
ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ
أما الإِعصار فالريح ، وأما النار فالسموم . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع :
إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ
يقول : ريح فيها سموم شديد . وقال آخرون :
هي ريح فيها برد شديد . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، قال : كان الحسن يقول في قوله :
إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ
فيها صر وبرد . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك :
إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ
يعني بالإِعصار ريح فيها برد . القول في تأويل قوله