عبد الجليل بن حميد اليحصبي ، أن ابن شهاب حدثه ، قال : ثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف في الآية التي قال الله عز وجل :
وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ
قال : هو الجعرور ، ولون حبيق ، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ في الصدقة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ
قال : كانوا يتصدقون ، يعني من النخل بحشفه وشراره ، فنهوا عن ذلك وأمروا أن يتصدقوا بطيبه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ
إلى قوله :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
ذكر لنا أن الرجل كان يكون له الحائطان على عهد نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فيعمد إلى أردئهما تمرا فيتصدق به ويخلط فيه من الحشف ، فعاب الله ذلك عليهم ونهاهم عنه . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله :
وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ
قال : تعمد إلى رذالة مالك فتصدق به ، ولست بآخذه إلا أن تغمض فيه . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن يزيد بن إبراهيم ، عن الحسن قال : كان الرجل يتصدق برذالة ماله ، فنزلت :
وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ
. حدثنا المثنى ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخبرنا عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهد ا يقول :
وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ
قال : في الأَقناء التي تعلق ، فرأى فيها حشفا ، فقال : " ما هذا ؟ " . قال ابن جريج : سمعت عطاء يقول : علق إنسان حشفا في الأَقناء التي تعلق بالمدينة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما هذا ؟ بئسما علق هذا " فنزلت :
وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ
. وقال آخرون : معنى ذلك : ولا تيمموا الخبيث من الحرام منه تنفقون ، وتدعوا أن تنفقوا الحلال الطيب . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وسألته عن قول الله عز وجل :
وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ
قال : الخبيث : الحرام ، لا تتيمه : تنفق منه ، فإن الله عز وجل لا يقبله . وتأويل الآية : هو التأويل الذي حكيناه عمن حكينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفاق أهل التأويل في ذلك دون الذي قاله ابن زيد . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ
. يعني بذلك جل ثناؤه : ولستم بآخذي الخبيث في حقوقكم . والهاء في قوله :
بِآخِذِيهِ
من ذكر الخبيث .
إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ
يعني إلا أن تتجافوا في أخذكم إياه عن بعض الواجب لكم من حقكم ، فترخصوا فيه لأَنفسكم ، يقال منه : أغمض فلان لفلان عن بعض حقه فهو يغمض ، ومن ذلك قول الطرماح بن حكيم :
لم يفتنا بالوتر قوم وللضي * يم رجال يرضون بالإِغماض
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معنى ذلك : ولستم بآخذي الرديء من غرمائكم في واجب حقوقكم قبلهم إلا عن إغماض منكم لهم في الواجب لكم عليهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا عصام بن رواد ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا أبو بكر الهذلي ، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة قال : سألت عليا عنه ، فقال :
وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ
يقول : ولا يأخذ أحدكم هذا الرديء حتى يهضم له . حدثنا ابن بشار ، قال :
ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن السدي ، عن أبي مالك ، عن البراء بن عازب :
وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ
يقول : لو كان لرجل على رجل فأعطاه ذلك لم يأخذه إلا أن يرى أنه قد نقصه من حقه . حدثني المثنى ، قال :
ثنا عبد الله ، قال : ثنا معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله :
وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ
. يقول : لو كان لكم على أحد حق فجاءكم بحق دون حقكم ، لم تأخذوا بحساب الجيد حتى تنقصوه ، فذلك قوله :
إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ
فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأَنفسكم ، وحقي عليكم من أطيب أموالكم