تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
قال :
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
هذا رجل كبرت سنه ودق عظمه وكثر عياله ، ثم احترقت جنته على بقية ذلك كأحوج ما يكون إليه . يقول : أيحب أحدكم أن يضل عنه عمله يوم القيامة كأحوج ما يكون إليه ؟ حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله :
أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ
إلى قوله :
فَاحْتَرَقَتْ
يقول : فذهبت جنته كأحوج ما كان إليها حين كبرت سنه وضعف عن الكسب ، وله ذرية ضعفاء لا ينفعونه . قال : وكان الحسن يقول : فاحترقت فذهبت أحوج ما كان إليها ، فذلك قوله : أيود أحدكم أن يذهب عمله أحوج ما كان إليه . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : ضرب الله مثلا حسنا ، وكل أمثاله حسن تبارك وتعالى . وقال : قال أيوب .
أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ
إلى قوله :
فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
يقول : صنعه في شبيبته فأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء عند آخر عمره ، فجاءه إعصار فيه نار ، فأحرق بستانه ، فلم يكن عنده قوة أن يغرس مثله ، ولم يكن عند نسله خير يعودون عليه . وكذلك الكافر يوم القيامة إذا رد إلى الله تعالى ليس له خير فيستعتب كما ليس له قوة فيغرس مثل بستانه ، ولا يجد خيرا قدم لنفسه يعود عليه ، كما لم يغن عن هذا ولده ، وحرم أحره عند أفقر ما كان إليه كما حرم هذا جنته عند أفقر ما كان إليها عند كبره وضعف ذريته . وهو مثل ضربه الله للمؤمن والكافر فيما أوتيا في الدنيا ، كيف نجى المؤمن في الآخرة ، وذخر له من الكرامة والنعيم ، وخزن عنه المال في الدنيا ، وبسط للكافر في الدنيا من المال ما هو منقطع ، وخزن له من الشر ما ليس بمفارقة أبدا ويخلد فيها مهانا ، من أجل أنه فخر على صاحبه ووثق بما عنده ولم يستيقن أنه ملاق ربه . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع :
أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ
الآية . قال : هذا مثل ضربه الله
أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ
لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
والرجل قد كبر سنه وضعف وله أولاد صغار ، وابتلاهم الله في جنتهم ، فبعث الله عليها إعصارا فيه نار فاحترقت ، فلم يستطع الرجل أن يدفع عن جنته من الكبر ، ولا ولده لصغرهم ، فذهبت جنته أحوج ما كان إليها . يقول : أيحب أحدكم أن يعيش في الضلالة والمعاصي حتى يأتيه الموت ، فيجيء يوم القيامة قد ضل عنه عمله أحوج ما كان إليه ، فيقول ابن آدم : أتيتني أحوج ما كنت قط إلى خير ، فأين ما قدمت لنفسك ؟ حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وقرأ قول الله عز وجل
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى
ثم ضرب ذلك مثلا ، فقال :
أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ
حتى بلغ
فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ
قال : جرت أنهارها وثمارها ، وله ذرية ضعفاء ، فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت ، أيود أحدكم هذا ؟ فما يحمل أحدكم أن يخرج من صدقته ونفقته حتى إذا كان له عندي جنة وجرت أنهارها وثمارها ، وكانت لولده وولد ولده أصابها ريح إعصار فحرقها . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله :
أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
رجل غرس بستانا فيه من كل الثمرات ، فأصابه الكبر ، وله ذرية ضعفاء ، فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت ، فلا يستطيع أن يدفع عن بستانه من كبره ، ولم يستطع ذريته أن يدفعوا عن بستانه ، فذهبت معيشته ومعيشة ذريته . فهذا مثل ضربه الله للكافر ، يقول : يلقاني يوم القيامة وهو أحوج ما يكون إلى خير يصيبه ، فلا يجد له عندي خيرا ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه من عذاب الله شيئا . وإنما دللنا أن الذي هو أولى بتأويل ذلك ما ذكرناه ، لأَن الله جل ثناؤه تقدم إلى عباده