تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
موجب صحة اختيارهم التخفيف في قوله :
وَكَفَّلَها
فحجة دالة على ضعف اختيار المحتج بها . وذلك أنه غير ممتنع ذو عقل من أن يقول قائل : كفل فلان فلانا فكفله فلان ، فكذلك القول في ذلك : ألقى القوم أقلامهم أيهم يكفل مريم ، بتكفيل الله إياه بقضائه الذي يقضي بينهم فيها عند إلقائهم الأقلام . وكذلك اختلفت القراء في قراءة " زكريا " ، فقرأته عامة قراء المدينة بالمد ، وقرأته عامة قراء الكوفة بالقصر . وهما لغتان معروفتان وقراءتان مستفيضتان في قراءة المسلمين ، وليس في القراءة بإحداهما خلاف لمعنى القراءة الأخرى ، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب . غير أن الصواب عندنا إذا مد " زكريا " ، أن ينصب بغير تنوين ، لأنه اسم من أسماء العجم لا يجرى ، ولأن قراءتنا في " كفلها " بالتشديد وتثقيل الفاء ، فزكرياء منصوب بالفعل الواقع عليه . وفي زكريا لغة ثالثة لا تجوز القراءة بها لخلافها مصاحف المسلمين وهو " زكري " بحذف المدة والياء الساكنة ، تشبهه العرب بالمنسوب من الأسماء فتنونه ، وتجريه في أنواع الإعراب مجاري ياء النسبة . فتأويل الكلام : وضمها الله إلى زكريا ، من قول الشاعر :
فهو لضلال الهوام كافل
يراد أنه لما ضل من متفرق النعم ومنتشره ، ضام إلى نفسه وجامع . وقد روي :
فهو لضلال الهوافي كافل
بمعنى أنه لما ند فهرب من النعم ضام ، من قولهم : هفا الظليم : إذا أسرع الطيران ، يقال منه للرجل : ما لك تكفل كل ضالة ؟ يعني به : تضمها إليك وتأخذها . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني عبد الرحمن بن الأسود الطفاوي ، قال : ثنا محمد بن ربيعة ، عن النضر بن عربي ، عن عكرمة في قوله :
إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ
قال : ألقوا أقلامهم فجرت بها الجرية إلا قلم زكريا صاعدا ، فكفلها زكريا . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع قوله :
وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا
قال : ضمها إليه . قال : ألقوا أقلامهم ، يقول عصيهم . قال : فألقوها تلقاء جرية الماء ، فاستقبلت عصا زكريا جرية الماء فقرعهم . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال الله عز وجل :
فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً
فانطلقت بها أمها في خرقها يعني أم مريم بمريم حين ولدتها إلى المحراب وقال بعضهم : انطلقت حين بلغت إلى المحراب وكان الذين يكتبون التوراة إذا جاءوا إليهم بإنسان يجربونه اقترعوا عليه أيهم يأخذه فيعلمه ، وكان زكريا أفضلهم يومئذ وكان بينهم ، وكانت خالة مريم تحته . فلما أتوا بها اقترعوا عليها ، وقال لهم زكريا : أنا أحقكم بها تحتي خالتها ، فأبوا . فخرجوا إلى نهر الأردن ، فألقو أقلامهم التي يكتبون بها ، أيهم يقوم قلمه فيكفلها . فجرت الأقلام وقام قلم زكريا على قرنته كأنه في طين ، فأخذ الجارية ؛ وذلك قول الله عز وجل :
وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا
فجعلها زكريا معه في بيته ، وهو المحراب . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا
يقول : ضمها