تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
قال : " ما من بني أدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد يستهل صارخا " . القول في تأويل قوله تعالى :
فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً
يعني بذلك جل ثناؤه : تقبل مريم من أمها حنة بتحريرها إياها للكنيسة وخدمتها ، وخدمة ربها بقبول حسن ، والقبول : مصدر من قبلها ربها فأخرج المصدر على غير لفظ الفعل ، ولو كان على لفظه لكان : فتقبلها ربها تقبلا حسنا ، وقد تفعل العرب ذلك كثيرا أن يأتوا بالمصادر على أصول الأفعال وإن اختلفت ألفاظها في الأفعال بالزيادة ، وذلك كقولهم : تكلم فلان كلاما ، ولو أخرج المصدر على الفعل لقيل : تكلم فلان تكلما ، ومنه قوله :
وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً
ولم يقل : إنباتا حسنا . وذكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال : لم نسمع العرب تضم القاف في قبول ، وكان القياس الضم لأنه مصدر مثل الدخول والخروج ، قال : ولم أسمع بحرف آخر في كلام العرب يشبهه . حدثنا بذلك عن أبي عبيد ، قال : أخبرني اليزيدي عن أبي عمرو وأما قوله :
وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً
فإن معناه : وأنبتها ربها في غذائه ورزقه نباتا حسنا حتى تمت فكملت امرأة بالغة تامة . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال الله عز وجل :
فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ
قال : تقبل من أمها ما أرادت بها للكنيسة وآجرها فيها
وَأَنْبَتَها
قال : نبتت في غذاء الله . القول في تأويل قوله تعالى :
وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا
اختلفت القراء في قراءة قوله :
وَكَفَّلَها
فقرأته عامة قراء أهل الحجاز والمدينة والبصرة : " وكفلها " مخففة الفاء بمعنى : ضمها زكريا إليه ، اعتبارا بقول الله عز وجل :
يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ
. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين :
وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا
بمعنى : وكفلها الله زكريا . وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي قراءة من قرأ :
وَكَفَّلَها
مشددة الفاء بمعنى : وكفلها الله زكريا ، بمعنى : وضمها الله إليه ؛ لأن زكريا أيضا ضمها إليه بإيجاب الله له ضمها إليه بالقرعة التي أخرجها الله له ، والآية التي أظهرها لخصومه فيها ، فجعله بها أولى منهم ، إذ قرع فيها من شاحه فيها . وذلك أنه بلغنا أن زكريا وخصومه في مريم إذ تنازعوا فيها أيهم تكون عنده ، تساهموا بقداحهم فرموا بها في نهر الأردن ، فقال بعض أهل العلم : رتب قدح زكريا ، فقام فلم يجر به الماء وجرى بقداح الآخرين الماء ، فجعل الله ذلك لزكريا أنه أحق المتنازعين فيها . وقال آخرون : بل صعد قدح زكريا في النهر ، وانحدرت قداح الآخرين مع جرية الماء وذهبت ، فكان ذلك له علما من الله في أنه أولى القوم بها . وأي الأمرين كان من ذلك فلا شك أن ذلك كان قضاء من الله بها لزكريا على خصومه بأنه أولاهم بها ، وإذا كان ذلك كذلك ، فإنما ضمها زكريا إلى نفسه بضم الله إياها إليه بقضائه له بها على خصومه عند تشاحهم فيها واختصامهم في أولاهم بها . وإذا كان ذلك كذلك كان بينا أن أولى القراءتين بالصواب ما اخترنا من تشديد " كفلها " . وأما ما اعتل به القارئون ذلك بتخفيف الفاء من قول الله :
أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ
وأن ذلك